مجنون التراب «محمود درويش».. حيًّا في حجارة كل فلسطيني



التحرير - أحمد نبيل - 09-08-2015
«مَنْ أَنا لأقول لكمْ/ ما أَقول لكمْ؟/ وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ/ فأصبح وجهاً/ ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ/ فأصبح ناياً..».
هكذا قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في آخر قصائده، وهو الذي تمر ذكرى وفاته اليوم، واحتفاءً به تنشر «التحرير» واحدة من الدراسات النقدية التي قدمتها المؤسسة التي تحمل اسمه، في السنوات الماضية، للناقد دخيل الخليفة، بعنوان «موت أم حياة أبدية؟».

يقول فيها الخليفة:

لأن محمود درويش شاعر استثنائي، فإنه يحتاج إلى لغة استثنائية، لا لترثيه، بل لتؤكد أنه قامة لن ينحت الزمن بديلا عنها، محمود درويش مات جسدا، لكن روحه هزمت الموت مبكرا، هزمت الموت لأنها روح فلسطينية أولا، تؤمن بأن الموت حياة أبدية، ولأنها روح شاعرة ثانيا.

درويش لم يمت، أليس هو القائل: “هزمتك يا موت الفنون جميعها؟”.

و”مجنون التراب” هذا، حي في ضمير الشعر، في حجارة كل فلسطيني كان يرى درويش صوته الذي يصدح في أرجاء العالم.

درويش موهبة فذة، بقى شعره يحتاج إلى رؤى نقدية جديدة لإعادة تقييمه فنيا، إنه رجل حوّل القصيدة إلى راقصة باليه تسحر من يضع عينيه على جسدها الشفاف.. قصيدة درويش قاومت المحتل فيما تحمله من تراث إنساني استمده من أرض كنعان، ومن جنون بابل، وهوس الفراعنة، ومن لغة فاتنة لا تخص أحدا سواه، لغة أصبحت نهرا ينهل منه الشعراء في زمان ومكان امتلكهما درويش وأنتج قصيدة عن الوجود/ الجرح الفلسطيني.

قصيدة درويش هوية إنسانية بامتياز، يتجسد فيها المقدس الفلسطيني، إنه شاعر يختزن التاريخ في مفردات اللغة التي ينحتها بإزميل فنان مدهش، عبر نوستاليجيا من نوع خاص تواكب حركة الحياة المتغيرة.

إن خسارة الشعر العربي كبيرة برحيل أحد أهم أعمدته على الإطلاق، فمنذ ديوانه أغصان الزيتون الصادر العام 1964، كان محمود درويش مشروعا شعريا يتطور، ومنذ خروجه من فلسطين إلى لبنان مرورا بمصر تحول وعيه الثوري إلى وعي إنساني عام، شاعر تمحور عالمه حول الأرض والمرأة، وكلتاهما رمز للحياة التي تحتوي الإنسان في تحولاته كافة.

ودرويش يؤمن بالحالة الفلسطينية العامة التي تولدت على مدى 60 عاما من النضال، وهي أن الموت حياة أبدية، لذا كان يكتب نصا دراميا ذا عالم فني مركّب.. وتحولت الثورة الكامنة في روحه إلى شعر.. ورغم إيمانه بالفكر كرجل مارس العمل السياسي إلا أنه لم يستبدل الأيديولوجيا بالشعر.. ولاشك أنه "شاعر يملك حساسية ثقافية ذات صفاء استثنائي"، كما يقول عنه إدوارد سعيد.. وهو بالنهاية مدرسة متفردة في الشعر العربي الحديث.

درويش شاعر يلتقط معاني وصورا لا تخطر على بال، سهلة وعصية على الآخرين في الوقت نفسه، شاعر يشاكس الحدث ولا يلتحم به، إلى أن تحول إلى مدرسة شعرية قائمة بذاتها. إنه لاعب كلمات من طراز خاص، جعل اللغة تنتج حياة استثنائية بكائناتها وبيوتها وسمائها المغايرة للنمط السائد.

نعم فقدنا بيرقا خفاقا.. من الصعب أن نعوضه في حالة الضياع التي نعيشها ثقافيا، فهذا الرجل كان نتاج مرحلة مريرة في الحياة السياسية العربية.. رحم الله محمود درويش، الشاعر الذي كنا نلاحقه من مكان إلى آخر لنتعلم منه كيف يُكتب النص المغاير.. ولعله الآن رأى الموت.. ليعرف حقيقته.

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة