بعد قرن على قاسم أمين: الثقافة المجتمعية ما زالت تحكم المرأة



- 16-02-2012
رأى الأديب المصري قاسم أمين، قبل نحو مئة وعشرة أعوام (1899)، في كتابه «تحرير المرأة»، أن تعليم الإناث ودفعهن إلى سوق العمل من شأنهما تحريرهن. يومها قامت الدنيا وقعدت في «أم الدنيا»، واتهمه سياسيون وكتاب ورجال دين بالتشبه بالغرب وبتعميم «الانحلال». وقد رد أمين على منتقديه بكتاب «المرأة الجديدة» (1901)، مؤكداً على رؤيته التحررية للنساء، داعماً نظرياته بمزيد من البراهين.
اليوم، بعد مرور زمن طويل على الرؤية النهضوية لأمين، ونحو قرن من النضال النسائي المستند في جزء كبير منه إلى النظريات التقدمية لأمين، تأتي دراسة «تنمية ثقافة الحوار والديموقراطية في الأسرة اللبنانية»، التي نفذتها «اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة» بالشراكة مع «مؤسسة المستقبل - عمان»، لتؤكد، بالأرقام، أن «تعليم المرأة وانخراطها في سوق العمل لم يغير وضع المرأة في الأسرة والمجتمع، إذ تبقى في المرتبة الثانية، وليس على قدم المساواة مع الرجل». إلى جانب الأمية القانونية التي ثبتت وفق الدراسة، يبدو أن القوانين التي تحكم الأسرة، والمتمثلة بقوانين الأحوال الشخصية تنتج «أبوية صارخة»، تؤدي دور الحامي الأساسي لثقافة التمييز والممارسات العنفية ضد النساء.
تقول رئيسة اللجنة الدكتورة فهمية شرف الدين، التي كتبت الدراسة وحللتها مع الدكتورة لميا شحادة، وتطلقها الهيئة في ورشة للإعلاميين اليوم في فندق البريستول، إن «تعليم المرأة وعملها لا يكفيان لتحقيق نقلة نهائية في وضعها، وإن كان الاستقلال الاقتصادي يساهم في تحرير المرأة، ولكنه وحده لا يكفي، إذ إن الثقافة المجتمعية السائدة هي التي تحدد موقع المرأة».
وذكَّرت شرف الدين بدراسة كانت اللجنة قد أنجزتها حول صورة المرأة في مناهج التعليم، تبين فيها أن الكتب المدرسية تكرس الصورة النمطية للمرأة كجزء من الثقافة المجتمعية. ومع أن اللجنة أوصت بضرورة تغيير الصورة تلك، إلا أن «ذلك لا يكفي وحده»، وفق شرف الدين.
وبذلك تتحدث شرف الدين عن «سلة تغييرات متكاملة تبدأ بضرورة تعلم المرأة وعملها»، وبتغيير الصورة النمطية للمرأة في مناهج التعليم، وبتعديل القوانين المجحفة بحقها، إضافة إلى العمل على النواة الأولى التي يعترف بها المجتمع، وهي الأسرة».
تقود اللجنة حملتها تحت عنوان «كونوا أسرة لا أسرى»، أي أسرى الأنماط التقليدية التي يعاد إنتاجها وتكريسها في المجتمع، والمتمثلة بسيطرة الرجل على المرأة.
وتأتي تأكيدات شرف الدين انطلاقاً من معطيات الدراسة التي بيّنت أن «الأسرة في لبنان لم تتجاوز المحظورات والممنوعات التي تختزنها ثقافة المجتمع، أي تحديد العيب والمقبول، الصواب والخطأ، الممنوع والمسموح، وهي التي تكرس نمطية وجوب امتثال المرأة للمجتمع، وهو ما يضع النساء في دائرة الاضطراب والقلق».
وتقول شرف الدين «بضرورة بناء الأسرة على أسس الحوار والمشاركة والديموقراطية». والمشاركة هنا «ليست في صنف الطعام الذي ستتناوله الأسرة، بل في القرارات الأساسية التي تتعلق بها، مثل مكان السكن والملكيات وقرارات العمل وما يتعلق بحياة الأسرة، ومنها تنشئة الأولاد وتعليمهم وتربيتهم والقيم التي تُعتمد في ذلك». والأهم، هو أن «تشارك المرأة في تحديد الوجهة التي تتخذها التنشئة، أي أن لا تكون خادمة المنزل بل مربية الأجيال».
وتعليقاً على نتائج الدراسة يكتشف العاملون في المجتمع المدني، وفق شرف الدين، أننا نحتاج إلى الكثير كي تصبح المرأة شريكة فعلية في مناقشة القضايا وأخذ القرار». وتبيّن الدراسة، مثلاً، أن النساء المتعلمات يتناقشن وأزواجهن، ولكن القرار الأخير يعود إلى الزوج، إذ تشير الأرقام إلى أن الأخذ برأي الزوجة لم يحصل إلاّ في 1.2 في المئة من حالات الدراسة، على الرغم من أن نسبة الزوجات المتعلمات والعاملات في عينة الدراسة، فاقت النصف. وهدفت الدراسة إلى كشف الأنماط التي تحكم علاقة الزوج بالزوجة، ومعها أنماط النزاعات وأشكال الحلول التي تلجأ إليها الأسر من أجل تحسين فرص الاستمرار، إضافة إلى معرفة اشكال التدخل والإجراءات الضرورية للوصول إلى أسرة قائمة على الحوار والمشاركة والديموقراطية.
وركزت الدراسة على مفاهيم المساواة والمشاركة والديموقراطية في الأسرة اللبنانية. وشملت عينة من النساء والرجال من المتزوجين تصل إلى 645 فرداً، تم تنويعهم وفق مستويات تعليمية ومناطقية وطائفية متساوية.
واعتمدت منهجية البحث مستويات معرفة وتحليل العلاقات الموجودة بين الزوج والزوجة، وتحديد أسباب عدم التوازن بين الذكور والإناث وأشكاله، والتدخلات الواجبة ممارستها لتطوير العلاقة الأسرية بين الجنسين، وكذلك بين أفراد المجتمع.
ولدى البدء بتحليل نتائج الدراسة يتبين أن الإنفاق يعتبر أحد الأوجه الأساسية التي تساهم في توزيع الأدوار داخل الأسرة، وأنه يترتب على استئثار الرجال بالدور الإنتاجي تدهور دور المرأة في الأسرة، وانحسار قدراتها على التأثير في مجريات الأمور الأسرية. ومشاركة الزوجة في نفقات الأسرة تزداد كلما ازداد مستواها التعليمي. ووفقاً للدراسة، ظل إنفاق الزوج متفوقاً على إنفاق الزوجة، ولكن نسبة مشاركة الزوجة في الريف متقاربة، وتزيد قليلاً عن باقي الزوجات في المدينة وشبه المدينة. وهذا عائد إلى أن المرأة لا تشارك في العمل خارج المنزل فحسب، وإنما تشارك في الأعمال التي يتطلبها الاقتصاد المنزلي أيضاً. ويبدو تأثير التعليم جلياً في شخصية المرأة إذ إن النسبة الكبرى من الزوجات اللواتي يمتلكن حسابات مشتركة وحسابات مستقلة هنّ من المستوى الجامعي. والنسبة الأكبر من الزوجات اللواتي يمتلكن حسابات مشتركة وحسابات مستقلة هن زوجات عاملات.
ومع ذلك فإن 30.7 في المئة من الزوجات يمتلكن منازل مقابل 83.1 في المئة للزوج، وأن 9.3 في المئة من الزوجات يمتلكن العقارات، في مقابل 20.9 في المئة من الأزواج، و38 في المئة من الزوجات يمتلكن سيارات، في مقابل 74.3 في المئة من النساء.
ويُظهر استقصاء الديموقراطية في الأسرة أن المرأة لا تشارك مشاركة فعالة في اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بأسرتها، والقرار الأخير بعد الحوار (إذا حصل) يعود إلى الزوج. فالزوجة تتولى إدارة شؤون المنزل وتربية الأطفال والزيارات والاستقبالات، بينما تبقى القرارات المهمة الحاسمة في يد الرجل، مثل اختيار مدرسة الأولاد وتأمين الحماية واختيار السكن وقرار السفر.
وأكد المشاركون في الدراسة أن الأسباب المادية من الأسباب الأساسيّة للنزاع داخل الأسرة، بينما أظهرت إجابات الاستمارة أن الشؤون الأسرية تحتل المرتبة الأولى. وكشفت الإجابات عن تباين بين آراء الذكور والإناث، كاعتبار الذكور أن فرض سيطرة المرأة والصراع على السلطة هو سبب من أسباب النزاع، بينما أشارت النساء إلى أن أحد أسباب النزاع هو المجتمع الذكوري والعنف.
وعلى الرغم من أن المستطلَعين (ذكوراً وإناثاً بنسب متقاربة) أجمعوا على أن الحوار هو الوسيلة المثلى لحل النزاع بنسبة 70.9 في المئة (34.1% من الزوجات العاملات يلجأن إلى الحوار كوسيلة لحل النزاع)، إلا أنه تبين أن رأي الزوج هو الحاسم بنسبة 10.2 في المئة من الحالات، وتدخل طرف ثالث بنسبة 1.9 في المئة، فيما لم يقفز ترجيح رأي الزوجة عن 1.2 في المئة.
ومع احتلال مناقشة الشؤون العائلية نسبة 42.3 في المئة من وقت المستطلعين، يعيد معدّو الدراسة ذلك إلى أن النظام الأسري في لبنان ما زال يولي الأمور الأسرية أهمية كبيرة، خصوصاً أن تدخل الأهل والأقارب ما زال قائماً في أغلب الأسر. مما يربك، في كثير من الأحيان، العلاقة بين الزوج والزوجة ويجعل أغلب النزاعات ذا طابع عائلي.
وفي قراءة معمقة للنتائج، يرى معدو الدراسة أن المعطيات تضع الأسرة اللبنانيّة أمام تحديات ثلاثة، أبرزها «النقص في الوعي الذاتي بالحقوق، وبالوضع القانوني (قوانين الأحوال الشخصية على وجه الخصوص) تلك القوانين التي تجسد الأبوية في المجتمع اللبناني، بالإضافة إلى قدرة المرأة من تمكين ذاتها، ومحو أميتها القانونية، وإيجاد موازنات جديدة بين قدراتها وأدوارها.
ووفقاً للتحديات توصي الدراسة بـ«تنمية الوعي بالحقوق المتساوية للأفراد عبر تعزيز المعرفة بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، وتنمية ثقافة الحوار بين الأفراد. وهذا يتطلب ليس المساواة أمام القانون التي ينص عليها الدستور فحسب، إنما أيضاً تحويل المساواة إلى ثقافة وسلوك وتغيير الصورة النمطية للمرأة في المناهج المدرسية، ورصد صورة المرأة في الإعلام والتدخل لدى وسائل الإعلام لمنع تنميط الصور التي تستخدم النساء كسلع وتشيئ مكانة المرأة، وبناء شراكة بين الحركة النسائية ووزارة الإعلام من أجل إنشاء مرصد لتقصي صور النساء في وسائل الإعلام.
وأشار معدّو الدراسة إلى أن الوضع الحالي لقوانين الأسرة اللبنانية ما زالت تنتج «أبوية صارخة «وإن كانت «مستحدثة»، وفق الكاتب هشام شرابي، وأن الأمية القانونية ما زالت ترخي بظلالها على النساء في لبنان، فقد أفادت معظم النساء في الدراسة، في شأن «أوضاع النساء اللبنانيات المتزوجات من غير اللبنانيين»، أنهن لم يكنَّ على علم بمفاعيل قانون الجنسية والتمييز الصارخ بحقهن والذي يمنعهن من إعطاء جنسيتهن لأولادهن وأزواجهن.
أما بالنسبة إلى الأولويات البنائية فهناك الحاجة إلى التفات المجتمع المدني إلى قضايا الأسرة، لا من باب تكريس ما هو قائم وتحسينه ربما، إنما من باب التطلع نحو المأمول المتصل بتغيير مكانة المرأة وتعزيز الاتجاهات القائمة على الحوار والمشاركة، من أجل بناء أسرة ديموقراطية في مجتمع ديموقراطي.

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة