وجه خديجة وكيس "ماكدو"



شباب السفير - رضا حريري - 28-12-2016

اقتحم حسام الغرفة فجأة. جلس على الكرسي وبدأ بالكلام: "أنا أعتقد أنّ الكاميرا شيء شرير. يعني قيمتها المتمثلة بحفظ الذكريات، والتي نعتبرها أمراً عظيماً، هي أسوء شيء عملته البشرية. ليه؟ لأنّها تتيح امكانية المقارنة بين الماضي واللحظة الحالية. تشعرك بضعف شديد، هشاشة، انعدام القدرة أمام الوقت. بمعنى بسيط: عدم قدرتنا على منع فناء الأشياء والأشخاص وتلاشي الذاكرة. الكاميرا شيء بخرّي".
الآن لا أتذكر شيئاً من تلك الليلة سوى تمسّكه بعناد بكلامه والتراب الأحمر المتيبّس عند أطراف الكونفرس الأزرق الذي يرتديه. أين اختفى طوال هذه المدّة؟ لم أسأله في تلك الليلة، كما لم أسأله من قبل. استيقظت صباح اليوم التالي على رنين الهاتف، لم يكن حسام موجوداً، وأبلغني الصوت الآتي من المستشفى أنّ خديجة قد ماتت.
قضيت الشهر التالي في مشاهدة الفيديوهات والصور الكثيرة التي التقطتها لها في الأشهر الأخيرة. مضى وقتٌ طويل لم أكن قادراً فيه سوى على رؤيتها إلّا في حالتها تلك. تيقّنت حينها من كلام حسام: "الكاميرا شي بخرّي". كلّما حاولت استعادة صورتها لم يكن يتراءى لي سوى جسدها المنهك على السرير. لكن كلّما فكّرت بها تداعت إلى رأسي تفاصيل كثيرة...
تستيقظ خديجة مع دخول ضوء النهار الأبيض عبر زجاج الشرفة. تبدأ نهارها مع رأس تنباك عجمي وركوة قهوة، يليهما ترويقة خفيفة. ثمّ تحضّر طعام الغداء. لا تجلس على السفرة دون حضور أحدٍ من أبناءها أو أحفادها. تجلس خديجة على الطاولة ولا تأكل، تكتفي بالنظر إلينا.
تعود خديجة بعد الغداء إلى التنباك، يليه قيلولة سريعة، يتبعها مزيدٌ من التنباك وقرقعة الماء في الأرغيلة حتّى يحين موعدٌ النوم في المساء. تعبق خدّيجة برائحة التنباك، كغرف المنزل الأربعة، وكجدرانه المصفرّة بفعل الزمن والدخان.
تخاف خدّيجة علينا، نحن عائلتها، من القذائف والرصاص، ومن عبور الشارع أمام السيارات، ومن انقطاع الكهرباء عن المصعد، ومن الماء في أرض الحمّام، ومن الشارع المظلم في الليل، ومن لعب زوجها، جدّي، ومطاردته لأحفاده "العكاريت". تخاف خدّيجة علينا من أيّ شيء ومن كلّ شيء.
تُسكن خديجة في قلبها حزناً قديماً، يتجدّد في كلّ حين. مع موت الأخ في "ثورة الـ58"، ودهس الأم في حادث سيّارة، وموت ابنتها الصغرى بمرضٍ مفاجئ غامض. حزن خديجة ينتقل منها إلينا.
تبكي خدّيجة بسرعة، يكفيها سماع صراخ طفل، أو رؤية أمٍّ تتحدّث عن ابنها الشهيد في التلفاز، أو الانصات لصوت الدعاء الذي يتردّد من الجامع القريب. عينا خدّيجة بحران معتكران، ويداها الرطبتبن تنقلان الدموع إلينا.
لكن كيف أجد خديجة النجمة السينمائية في رأسي؟ بطلة الفيلم، التي تحظى على تركيز المخرج وعلى لقطاته المقربة. بطلة الفيلم التي يصير جميع الممثلين ثانويين قربها. بحثت طويلاً عن ذكرى "ممنتجة" لجدّتي في رأسي. ذكرى تحوي حدثاً له بداية وله نهاية، تظهر فيه الكاميرا بوضوح الموجودين، وتنتقل اللقطات فيها من الوجه إلى اليدين إلى الجالسين من حولها، لكنّني لم أتمكّن من تنشيط ذاكرتي البصريّة.
مع بداية الشهر التالي نسيت ذلك. انشغلت. إذ كان عليّ أن أتعلّم من جديد كيفية العيش وحيداً. بلا ميعادٍ ثابتٍ كلّ مساء بعد انتهاء الدوام، وبلا أحاديث صباحيةٍ على الهاتف، وبلا الحاجة، حتّى، للترتيب المفتعل للغرفة. كان عليّ باختصار إعادة اختراع العزلة، التي نسيت شكلها، والتعوّد عليها مجدّداً. بعدها بثلاثة أسابيع ظهر حسام. جاءني في هذه المرّة كإنقاذ، على غير عادته، ودون معرفته بالطبع. شخصٌ كحسام لن يفهم أبداً إمكانية أن يكون إنقاذاً لأحد. ارتمى على السرير، وسألني دون أن أقول له شيئاً:
- "هل انتهى كلّ شيء؟".
- "انتهى".
- "كانت جميلة".
نظرت إليه. كان على حاله. لحيته أطول قليلاً، ويرتدي فوق قميصه جاكيت سوداء بسبب الشتاء. والتراب الأحمر ما زال موجوداً على أطراف الكونفرس الأزرق. بدا لي أنّ السرير سيتّسخ من التراب، لكن قبل أن أطلب منه إنزال قدميه سألني مرّة أخرى: "هل تعرف ماذا فعلت البارحة؟". وبدل أن ينتظر جوابي، استمر بالكلام: "مشيت من شارل حلو إلى عين المريسة، ثم دخلت إلى ماكدونالدز. معظم الأيام التي أضطر فيها للأكل وحيداً أذهب إلى ماكدونالدز. أراه مكاناً مناسباً ليمارس الشخص غريزته الحيوانية المرتبطة بالأكل. يجب على الشخص ألّا ينسى مقدار تشابهه مع الحيوان. أخذت وجبتي وجلست في الأعلى، قبالة النافذة المطلّة على الكورنيش الذي كان معتماً. وجدت كيس كاتشاب تركه من كانوا قبلي، فأستعملته. بعد قليل صعد شاب وفتاة. آي ميس ماكدو، قال الشاب، وفهمت من حديثه أنّه كان موظّفاً سابقاً هنا. انتبهت إلى كيس نايلون في يد الفتاة، كان لمحل ثيابٍ رخيصة. تذكرته فوراً. كانت أمّي تأخذني إليه عندما كنا فقراء. اجتاحتني الذكريات. حنين إلى وقتٍ لن يعود. نظرت إلى الشباك قبالتي، فرأيت انعكاس وجهي في المرأة. كانت الدموع تنزل من عينيّ. كنت أبكي، والسبب كيس نايلون. نظرت إلى الفتاة مرّة أخرى. وبطبيعة الحال لم تكن تفكّر في شيءٍ ممّا كنت أفكر فيه. بدت سعيدةً بوجبتها، وبالحديث مع رفيقها، وهي تخرج الثياب من الكيس لتريه إياها. فكّرت عندها أنّني أحمق. مسحت دموعي وواصلت الأكل. هل سمعت بأحدٍ يبكي بسبب كيس؟ عرفت لماذا أكره الصور والبصر والكاميرات؟".
لم يبقى حسام طويلاً. وأنا بقيت وحدي، أنظر إلى السقف شارداً أفكر في شيءٍ لا أعرف ما هو على وجه التحديد. وبينما كنت أشعل سيغارة، رأيت وجه خديجة. توسّع الإطار شيئاً فشيئاً، كانت محاطةً بزوجتي ابنيها، وهما تصبغان لها شعرها، ومن حولهم توزّعت بقية العائلة. "جبتي الصبغة شقرا؟"، سألت خديجة الجالسة عن يمينها. لكنّ الإجابة ضاعت بسبب التلفاز وضجيج الأولاد. فكّرت أنّ خديجة كانت تبحث عن استعادة شبابها. فكّرت أنّها لم تسمع الإجابة. فكّرت أنّها كانت بحاجةٍ لمن يقول لها إنّ شعرها جميلٌ، كما هو، بالشيب الذي يغزوه. فكّرت أنّني أنا من كان يجب أن يقول لها ذلك، وبكيت.

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة