المخترع حسن كامل الصباح ....في ذكرى رحيله



كامل جابر - 14-04-2012
تنظم لجنة الصباح الوطنية في خلال شهر نيسان من كل عام، احتفالاً بذكرى وفاة العالم حسن كامل الصباح الذي نفذ أكثر من 44 اختراعاً، ويعتبر شهيد الوطن والعروبة والإسلام، إذ قتل نتيجة تفوقه وذكائه وإبداعه وبسبب حسّه الوطني والقومي، فقد كان عالماً ومخترعاً وفيلسوفاً وشاعراً، ما جعله يضيء الكون بشعلته، أوائل القرن العشرين، وكان سبباً لتطور علمي باهر في العالم…
عاش حسن كامل الصباح غريباً في أمريكا، ومات غريباً. كان يشعر بأنه في الأسر، فسعى للخروج من السجن الكبير، والعودة إلى وطنه لبنان حتى يعمل على إفادة أبنائه من مياه الليطاني، وإلى تحويل البادية السورية والصحارى العربية إلى جنات تجري من تحتها الأنهار. وشاركه في هذا الحلم العربي الكبير الأمير شكيب إرسلان الذي سعى لدى الملوك العرب إلى استقدام الصباح إلى ديارهم. لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، ولم تذكره صحافتنا ووسائل إعلامنا في تلك الأيام، حين كان حيّاً يرزق، لكنه عندما توفي في الأول من نيسان 1935م، اندفعت وسائل الإعلام والمحافل الأدبية والثقافية إلى تكريمه والثناء على عطائه.
وقد عبّر عن هذه الحقيقة الأديب الراحل توفيق يوسف عوّاد حين كتب في جريدة "النهار" في 29/05/1935م، وفي زاوية "نهاريات" الموّقعة باسم "حماد" :
فتحَ الموت حين أغمض عينيه عيون الورى على حسناته
وجّه لك الله الخير يا إيليا أبو ماضي! أنت حين نظمت هذا البيت، لم تنظمه لشخص معيّن مات تحت سماء العرب، بل لكل عبقري يموت تحتها.
كامل الصباح: اسم كان غريباً عن كل أذن في بلاده. وكان ملء الآذان في أمريكا. وها هو بعد أن مات نستقبل جثته بالمهرجانات، ونقيم له حفلات التكريم، ونقلّده وسام الاستحقاق، وننثر عليه الدموع والورود…
وفي مقالة خطّها يراع الشاعر إيليا أبو ماضي، وعنوانها "نبي في غير وطنه" نُشِرت في مجلة "السمير" النيويوركية بتاريخ 15/06/1929م، وأراد من خلالها التعريف بالعالم المخترع حسن كامل الصباح: "ليست مواهب هذا الشاب من المواهب العادية، ولا هو من النوابغ في الشعر والموسيقى والتصوير أو غيرها من الفنون التي يعتبرها بعضهم من غير الضروريات، وإنما هو رياضي كبير (من الرياضيات) ومخترع قليل النظراء، حتى في الوسط الأمريكي. إنما اسمه لا يزال خفياً كأنه مشمول بضباب كثيف، وذنبه أنه شرقي، وهذا يبرهن لنا فساد القول الشائع من أن العلم لا وطن له".
ويضيف أبو ماضي:"ولكنه (الصباح) بالرغم من الفوائد التي تجنيها الشركة من مخترعاته ويتمتع بها القوم الذين يعيش بينهم، لا يزال يشعر بأنه غريب، لأنهم هم لا يستطيعون أن ينسوا أنه غريب. وهو على ما يلوح يعلل النفس بالآمال يرقبها. لأنه لا يرى في بلاده ما يعينه على إظهار مواهبه واستثمارها، فكأنه البلبل الذي رضي القفص مأوى، لأن السبيل هدم عشّه وجرف من الأرض التي يهواها، نبتها وشجرها. فمتى يصير عندنا حكومة تعين الموهوبين من أبنائها؟ ومتى نصير نحن نعرف الموهوبين منا أقدارهم؟"
ضريح الصباح
اكتسى ضريح العالم المخترع الراحل حسن كامل الصباح، حلة جديدة بعدما قامت بلدية النبطية عام 2004، بحملة تأهيل للضريح، أماطت من خلالها اللثام عن صدأ الطلاء والحجارة، والأبواب المخلعة وكذلك النوافذ، لتجعل قبته وجدرانه زاهية جديدة، تنفيذاً لقرار المجلس البلدي.
ليست المرة الأولى التي يؤهل فيه الضريح المتوسط ساحة النبطية، من الحجر الصخري، الذي بنته عائلة "الصباح" في أعقاب وفاة المخترع الراحل في عام 1935 على قطعة أرض لها، بالطبع، ليس على نفقة الشركة الأميركية التي كان يعمل فيها الصباح "جنرال إلكتريك"، أو من تعويض خدماته واختراعاته فيها، إذ لم يبق من هذا التعويض غير دولار واحد، سلم بشك مصرفي إلى والده في ذلك الحين. فقد أهلته بلدية النبطية السابقة عام 1982، وكذلك فاعلياتها وجمعياتها، فضلاً عن اهتمام محافظة النبطية من خلال المحافظين غازي زعيتر ومحمود المولى. بيد أن، ما رصدته بلدية النبطية، لتأهيل الضريح هذه المرة، يفوق العشرين مليون ليرة، ما يكفي لتبديل ما يحتاج من أبواب وشبابيك، وطلاء وبلاط وتلييس وغير ذلك.
يبلغ عمر الضريح من تاريخ وفاة صاحبه، نحو 68 عاماً، وكان الأول من نوعه في مدينة النبطية ومنطقتها، من حيث الشكل، وجاء كذلك ليراعي القيمة المعنوية والفكرية والإنسانية للعالم الصبّاح ابن النبطية، التي خسرت بفقدانه عالماً كبيراً ورمزاً وطنياً وإسلامياً وعربياً.
أما كيف تم بناء الضريح؟ يقول المربي مصطفى الحاج علي: "في أعقاب وفاة الصباح أسس الدكتور مصطفى الخالدي من بيروت لجنة تكريم حسن كامل الصباح، وضعت بعض التصاميم لبناء الضريح، كلها على الطراز الإسلامي، ونفذ سعيد فخر الدين "ماكيت" القبر الداخلي من الجفصين. ثم تم بناء الضريح مع القبة ونفذهما آنذاك أشهر البنائين المعلم مصطفى الجوني. أما قطعة الأرض التي بني عليها الضريح فقد تم اختيارها شرقي مدفن المسيحيين القديم في النبطية، بناءً لرغبة والد الصبّاح، الحاج علي الصباح، الذي كان قد اشتراها من أموال كان يرسلها حسن كامل من المهجر".
ويتذكر مصطفى الحاج علي أنه بعد إحضار نعش الصباح البرونزي إلى النبطية، فتحه أسعد القرداحي، وقام الدكتور بهجت الميرزا، بمعاينة النصف العلوي من جثة الصباح التي كانت محنطة، يحوطها قماش مخملي رمادي اللون. وبناءً لفتوى المراجع الدينية دفن الصباح مع تابوته في القبر المحدد.
وتشكلت بعدها لجنة بالتعاون بين محمد الحاج علي ومحمد صباح قامت بعد أربعين عاماً على وفاة الصباح برسم شكل جديد لقبر الصباح الداخلي (مصطفى الحاج علي)، نفذه المعلم عبد الحسين ملّي من الرخام والغرانيت.
عن مشروع التأهيل يقول رئيس البلدية، رئيس اتحاد بلديات الشقيف أدهم جابر: "يمثل حسن كامل الصباح، الوجه الثقافي المتقدم لمدينة النبطية، ورسولها إلى عالم التفوق والفكر والاختراع، وهو الدليل الآخر لمدينتنا، ولهذا العنوان في قلوب أبناء النبطية العمق الأزلي، الذي خدشته الغربة، وهو لم يدلِ بعد، بكل ما يختزنه من ذكاء وفكر وقّاد، فغاب يانعاً وشهيداً مظلوماً، وعلى الرغم من مرور أكثر من 68 عاماً على رحيله، ما زال حيّاً في ذاكرة أبناء النبطية ومنطقتها ووجدانهم، لذلك، أخذت البلدية على عاتقها ترميم الضريح الذي يرقد في داخله الصباح، بما يتطلبه من دهان وبلاط وترميم، مع الحفاظ على الشكل التراثي القديم للضريح، ومن دون تبديل في الشكل والجوهر".
سجل حسن كامل الصباح 52 اختراعاً، منها 37 اختراعاً انجزها منفرداً، والباقية بالتعاون مع زملائه العلماء الباحثين في شركة "جنرال إلكتريك" التي عمل فيها من أواسط عام 1923 حتى تاريخ رحيله بحادث سير في 31 آذار 1935 بتوقيت نيويورك، المصادف أول نيسان بتوقيت بيروت. نقل جثمانه من مرفأ نيويورك في 8أيار على متن الباخرة اليونانية "بيرون" ووصل إلى مرفأ بيروت ظهر الثلاثاء في 28أيار، ونقل إلى النبطية باحتفال رسمي وشعبي وووري نهار السبت في الأول من حزيران 1935.
تنظم لجنة الصباح الوطنية في خلال شهر نيسان من كل عام، احتفاءً بذكرى وفاة العالم حسن كامل الصباح الذي قتل بسبب تفوقه وذكائه وإبداعه ونتيجة حسّه الوطني والقومي، فقد كان عالماً ومخترعاً وفيلسوفاً وشاعراً، ما جعله يضيء الكون بشعلته، أوائل القرن العشرين، وكان سبباً لتطور علمي باهر في العالم…

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة