علي فضل الله لـ«السفير»: ندعم الحركات الإسلامية.. وندعو إلى حماية الحوار



السفير - 04-07-2012
تحيي مؤسسات المرجع الديني الراحل السيد محمد حسين فضل الله و«جمعية المبرات الخيرية»، عند الخامسة من بعد ظهر اليوم، الذكرى السنوية الثانية لرحيله، في «قاعة الكوثر» على طريق المطار، في احتفال رسمي وشعبي تقدم فيه شخصيات لبنانية وعربية وإسلامية شهاداتها بالراحل ودوره وفكره الوحدوي والتجديدي في ظل التطورات التاريخية التي يشهدها العالم العربي.
سنتان على رحيل «السيد»، وها هي المؤسسات التي بناها تستمر وتتطور، وها هو الفكر الحواري الوحدوي التنويري يصبح متجذرا في معظم الساحات والمواقع.
يقول السيد علي فضل الله الذي تحمل على مدى السنتين الماضيتين مسؤولية مواكبة المؤسسات التي بناها والده إن «السيد» لم يكن في أية مرحلة من المراحل يعمل بعقلية الشخص، بل بعقلية المؤسسة. هناك جمعيات عدّة أسّسها لتأدية هذا الغرض، وعلى رأسها «جمعية المبرات الخيرية». حتى في تعامله مع المرجعية، دعا إلى المرجعية المؤسسة، وحرص على بناء المؤسسات التي تحمل في داخلها هذا المضمون، فلم يربّ أناساً ليتبعوه بقدر ما كان يريدهم أن يفكروا معه، وكان شعاره مع كلّ الذين يتحدّث إليهم: «فكّروا معي وانقدوني»، وكان حريصاً على الاستماع إلى كلّ هذا الجمهور؛ جمهور المؤسسات، أو الجمهور الواسع الذي كان يخاطبه ويؤمن بأفكاره، سواء على المستوى الفقهيّ أو الدينيّ أو الفكريّ أو السياسيّ.
يضيف فضل الله: لم نكتف باستمرار المؤسّسات القائمة وتطويرها، بل حرصنا على إنشاء مؤسّسات جديدة، سواء في لبنان أو العراق ودول أخرى، ولدينا مشاريع لفتح مؤسّسات أخرى في المستقبل، ويشير الى أن المؤسسات ما تزال تحظى بثقة النّاس بها، وهو ما يؤمّن حاجاتها ومتطلّباتها، علماً أنّ هذه المؤسّسات تعتمد أيضاً على موارد الحقوق الشرعيّة، وهناك إجازات عدة من المراجع الذين أجازوا لهذه المؤسّسة بالحصول على الحقوق، كما أنّ هناك عدداً من المشاريع الإنتاجيّة الّتي تؤمّن بعض الموارد».
وهل تأثرت الإمكانات المادية للمؤسسات بغياب «السيد»، يسارع علي فضل الله للقول لـ«السفير»: «غياب سماحة السيّد كان له تأثيره، كونه كان مرجعاً دينياً وله علاقاته، ولكن بحمد الله، نعمل على تجاوز هذا الواقع، مستفيدين من وعي النّاس لأهميّة هذه المؤسّسات ودورها وتميّزها، ومن الثّقة الّتي حصلت عليها، كما أنّ لدينا إجازات مطلقة من مراجع عديدين يرجع إليهم النّاس حالياً».
وماذا عن دور «مجلس الأمناء» الّذي يشرف على المؤسّسات حالياً؟ يقول فضل الله: «مجلس الأمناء» موجود تنفيذاً لوصية سماحة السيد، ودوره هو الإشراف على عمل المؤسّسات؛ أن تبقى وتحافظ على مؤسّسيتها، وألا تنحرف عن أداء دورها والبقاء على استقلاليّتها التي انتهجتها طوال عملها السابق... وقد شكّل مجلس الأمناء لذلك لجنة متابعة تتابع الدّور الذي أُنيط بالمجلس، فضلاً عن وجود أجهزة رقابة أنشِئت لهذا الأمر... وهذا المجلس يضمّ عدداً من العلماء من لبنان والعراق ودول الخليج، إضافةً إلى عدد من الشخصيات المدنيّة من الذين كان لهم دور أساسيّ في بناء المؤسسات والتعاون مع سماحة السيّد، والعلماء في المجلس لهم مواقع علميّة وحضور واسع في بلدانهم، ولا ينتهي دور هذا المجلس بوفاة أعضائه أو استقالتهم، بل له دوره بتعيين المجلس المقبل».
وعن قضية المرجعية ومقلّدي «السيد» بعد رحيله، يقول فضل الله: «موضوع المرجعيّة والتّقليد موضوع شخصيّ للنّاس، ونحن قلنا للجميع بأنّه بناءً على آراء العلماء والمراجع الحاليّين الذين يرون جواز البقاء على تقليد الميت الأعلم، يمكن الاستمرار في تقليد السيّد، ونحن في ذلك لم نصدر فتوى، بل أشرنا إلى فتاوى العلماء، وتحدّثنا للنّاس بالمنطق الشّرعيّ، وقد كوّنوا قناعاتهم على هذا الأساس... أمّا في المسائل المستحدثة، فيمكن النّاس أن يرجعوا إلى المرجع الحيّ، ولا نزال نبيّن للنّاس رأي السيد. وهناك في مؤسّسة سماحة السيد، هيئة شرعية هي التي تتولّى هذا الأمر، وهي أيضاً التي تصدر بياناً في بداية شهر رمضان وفي نهايته، حيث يحدّد بداية الشهر ونهايته انطلاقاً من رأي سماحة السيّد، والقواعد التي بيّنها في ذلك، بالعودة إلى الحسابات الفلكية الدقيقة».
وحول سبب عدم إقفال المكتب الشرعي بعد رحيل «السيد»، كما هي عادة المراجع الدينيّين في قم والنجف، يوضح السيّد علي فضل الله أن هذه الفكرة ليست صحيحة، «فمن الطبيعي أن يبقى هذا المكتب يجيب الناس عن مسائلهم الشرعية، ولا سيّما على رأي سماحة السيد، مباشرةً، أو من خلال اتصال هاتفيّ، أو عبر الإنترنت، كما له دور في الإجابة عن المسائل الدينيّة العامّة، هذا إلى جانب مكتب شرعيّ يعمل لحلّ النزاعات الاجتماعيّة. ونحن نملك وكالات من بعض المراجع، ولدينا الإذن منهم بحل القضايا القضائية».
وحول ظاهرة وصول الإسلاميين إلى السلطة في أكثر من بلد عربي، يقول فضل الله: «نحن نتابع ما كان يطرحه السيّد على صعيد الفكر الإسلامي المنفتح المواكب للعصر، وندعو إلى تأكيد الوحدة الإسلاميّة والحوار الإسلامي ـ المسيحي، وحماية الوحدة الوطنيّة من كلّ ما يسيء إلى سلامتها، ونحن نتواصل مع جميع القوى السياسيّة والدينيّة، وقد استبشرنا خيراً بالثّورات العربيّة ونحن مطمئنون الى مسار التغيير، لأنّ وصول الحركات الاسلامية الى مواقع متقدمة، تعبير عن الحركة في مواجهة الجمود الّذي كان يعيشه العالم العربيّ، وواجبنا العمل لتستمرّ الثورات في إطارها الصّحيح، وحتّى لا تنحرف عن مسارها وأن يتم استغلالها سلبا»...
ويضيف: «الإسلاميّون أمامهم تحديات كبيرة في المجالات الاقتصادية والسياسية ونحن نتواصل مع كل الحركات الإسلامية، ونعمل على دعمها وتسديدها وتصويب أدائها، وهناك حاجة كبيرة لمواكبة هذه التجربة، كي تنجح وتحقق الأهداف التي وضعتها».
وحول الخوف من حصول صراع مذهبي بعد صعود الحركات الإسلامية السنية، وما يجري من أحداث في بعض الدول العربية، يردّ السيّد فضل الله: «طبعاً هناك سعي لإثارة الفتنة المذهبية أو الطائفية، لكنّنا نؤكّد أنه ليس هناك مشكلة مذهبية بسبب البعد الفقهي أو الديني أو العقائدي، بل هناك من يعمل على إسقاط الصراع السياسي على الجانب المذهبي، واستخدام الخلافات المذهبية لإثارة المشاكل، وهؤلاء يستفيدون مما يحصل في بعض الدوائر السنية أو الشيعية من خطابات وتصريحات وإطلالات إعلاميّة تحمل طابع الإثارة المذهبية، وهنا نحثّ على ضرورة الوعي، كما العمل، لترشيد الخطاب ومعالجة الأخطاء».
وعن العلاقة مع «حزب الله» وإيران، ومدى صحة وجود إشكالات بسبب الجانب العقائدي أو المرجعي؟ يجيب: «نحن نتواصل مع كل العاملين في الساحة الإسلامية، وخصوصاً الإخوة في «حزب الله» والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي لها دورها في الواقع الإسلامي، ومع كلّ العاملين في الساحة الإسلامية والوطنية، والعلاقة مع الجميع متينة وجيدة»...
ويشير الى وجود تنوّع مرجعيّ في الساحة الإسلامية الشيعيّة، «لكن هذا لا ينبغي أن يكون سبباً للنزاع بقدر ما هو طبيعيّ في الواقع الشيعيّ في ظلّ تنوّع الاجتهاد، كما أن هناك تعدداً وتنوّعاً في مقاربة بعض القضايا الفكرية، وهذا الأمر لا يعتبر مشكلة إن عُرفت كيفيّة التعامل معه، ولم يصل إلى حد الاتهام بالضلال والانحراف».
وعن العلاقة مع الرئيس نبيه بري والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يوضح فضل الله «ان العلاقة مع الرئيس بري جيدة، وهناك تواصل دائم معه ومع الإخوة في حركة «أمل»، كما أننا نتواصل مع المجلس الإسلامي، ولا سيما مع نائب رئيس المجلس سماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، ونحن ندعو دائماً إلى الوحدة والتلاقي والحوار، سواء على الصعيد الشيعي أو الإسلامي أو الوطني».
يستدرك فضل الله ويقول إنه بنتيجة تسارع الأحداث في لبنان والعالم العربي والإسلامي، «لا بد من دراسة الدّور الذي ينبغي أن يقوم به المسلمون الشيعة حالياً ومستقبلاً للتعامل الصحيح مع المستجدّات، ونحن نؤكّد ضرورة استمرار التواصل لبحث كلّ مجريات الأحداث، وهذا من ضمن التواصل على الساحة الإسلامية والوطنية».
وحول العلاقة مع القوى والحركات الإسلامية، يقول فضل الله «كان لسماحة السيد علاقة جيدة مع الحركات الإسلاميّة بعامّة، ونحن نتابع هذا التواصل، وخصوصاً من خلال العلاقة التي تمّت بوجودنا في «الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين»، أو من خلال العلاقات مع الجهات الأخرى في الدائرة الإسلامية العامة، كما أننا نتواصل مع «الجماعة الإسلامية» في لبنان، ومع كلّ الحركات الإسلامية في فلسطين وغيرها من البلدان، ونحن نسعى للتواصل مع القوى الإسلاميّة في مصر وتونس، وأيّ دول أخرى يكون فيها للإسلاميّين دور فاعل، كذلك فإنّ العلاقة مع القوى السياسية الأخرى متواصلة، ولا سيّما مع المواقع الدينية المسيحية».
ماذا تقول عشية إحياء الذكرى الثانية لرحيل والدكم؟ يخاطب علي فضل الله محبي والده ومقلديه والمستمرين في نهجه بدعوتهم إلى ضرورة الحفاظ على الأمانة التي تركها سماحته، وهي «أمانة المؤسّسات» وهي مسؤولية كبيرة، ولا يحملها فرد بعينه، بل هي مسؤوليّة المجتمع كله، ونحن على ثقة بأنّ المجتمع سوف يقوم بحمل هذه المسؤولية، وهذا ما نشعر به، عبر الإحاطة بها، والاحتضان الواسع لها، وهو أمر إيجابي».
يضيف: «على المستوى العام، رسم السيّد الخطّ الإسلاميّ المنفتح على الآخر، وكان جدياً في ذلك، ولا بدّ من تأكيد هذا الخط في ظلّ محاولة إثارة الفتنة المذهبية والطائفية، وأن نعمل على حماية مناخ الحوار، والتواصل مع الجميع من الموقع الإسلاميّ المنفتح على الآخر».
ويختم: «لقد قدّم سماحة السيّد من خلال أسلوبه وحركته، نموذجاً على قدرة الإنسان الذي ينتمي إلى مذهب معيّن وخطّ إسلاميّ معيّن، أن ينفتح على الآخر، وعلينا أن ندرس هذه التجربة، لكي نتعلّم منها كيف نوصل صوتنا للآخرين، وأن نسمع أصوات الآخرين، وكيف نستطيع أن نفتح آفاق الحوار للتواصل مع الفكر الآخر، بدلاً من أن ينغلق كلّ فكر على خصوصّيته».

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة