عن مبدع نبطاني: حسن بدر الدين.. الفتى النووي الكهربائي



اكرام الشاعر - 22-08-2012
في مقهى ينغص هدوءه انقطاعات غير قصيرة للكهرباء، يقع في منتصف الطريق بين ضريح العالم حسن كامل الصباح وتمثاله، في مدينة «فتى العلم الكهربائي»، النبطية، لا ينفك الباحث حسن بدر الدين عن إبداء أسفه على «مجتمعنا الذي يحترف البكاء على الأطلال». فـ«بينما ينتج الغرب ألف حسن كامل الصباح سنوياً، مع تقديرنا الكبير لهذا العالم، لم نزل نحن مشغولين بألواح الرخام على أضرحة العلماء بدل تكريمهم بدعم الجيل الحالي منهم»، يضيف. يتذكر الباحث الشاب (مواليد عام 1987) بدايته المتواضعة أمام كمبيوتر لم يكن متاحاً إلا لقلة آنذاك، مزود ببرنامج «انكارتا» الذي أشبع بعضاً من ميوله إلى الرياضيات والفيزياء.
بعد إنهاء دراسته «ثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات» في النبطية، أصرّ على أن يرتبط بحبه الأبدي، فتخصص بالفيزياء، في الجامعة اليسوعية في بيروت، رغم إصرار الجميع على أن يختار اختصاصاً «عصرياً أكثر». بعد نيله الإجازة، بالإضافة إلى دراسة مواد من ماجستير الرياضيات، واحتلاله المرتبة الأولى بمعدل 91.56%، كان ملفه «قوياُ جداُ» لإكمال دراسته العليا.
بالصدفة، عرف حسن بواسطة الانترنت أن مدرستي EPFL لـ«البوليتكنيك» في لوزان و ETHZ في «زيورخ» (التي مر بها اينشتاين) وهي من بين أفضل عشر جامعات من حيث التصنيف في العالم في مجال الهندسة، تفتتحان برنامجاً مشتركاً يهدف إلى تحضير متخصصين في الطاقة النووية السلمية لإنتاج الكهرباء. أرسل ملفه الكامل. «يوم 9 أيار 2008 كان رائعاً بالنسبة لي»، يقول ولا يتمالك نفسه عن الضحك وهو يتذكر كيف تلقى القبول عبر البريد الالكتروني. ترافق ضحكته حسرة واحدة: «لو أنني قدمت ملفي إلى كمبردج التي لطالما حلمت بها!».
حاملاً الآمال العريضة، يمم الشاب شطر سويسرا ليجد نفسه هناك واحداً من 12 باحثاً تم اختيارهم من كل أصقاع الدنيا، لا أحد منهم ينبس بلغة الضاد. بين لوزان وزيورخ وفيليغين استمرت المغامرة بينما كان بدر الدين ينهي اختصاصه في الهندسة النووية ويتوج سنته الثانية بمناقشة أطروحة الماستر في اقتراح التصميم الأمثل لتأمين سلامة المحطات النووية، وخاصة مولدات البخار، من خلال محاكاة تأثير حادث افتراضي عبر الكمبيوتر عليها. قدم «طالب» الماستر أفكاره في مؤتمرات دولية للهندسة النووية في كندا وشيكاغو، وكذلك في الجامعة اليسوعية؛ ثم حل الاستحقاق الأخطر: «عرضت عليّ جامعتي خمسة مواضيع لأطروحة الدكتوراه، كانت كلها ذات طابع تطبيقي، بينما أنا أفضّل الأبحاث النظرية». تتغير نبرته وهو يتحدث عن قراره: «رفضتها كلها. لا يمكن للإنسان أن يعمل بإخلاص من دون شغف».
التحدي الأكبر الذي تجاوزه المهندس الشاب كان في مغادرته سويسرا بعد النجاح الباهر ونيل المرتبة الأولى في الامتحان النظري، إلى الجامعة الكاثوليكية في لوفين في بلجيكا، التي قدمت له موضوعاً مثيراً للاهتمام يجمع بين الهندسة الميكانيكية والمعلوماتية.
بعد ستة أشهر، حيث بدأ بحثه يؤتي ثماره، أحسّ أنه ليس في المكان المناسب. لكن الدكتور الجزائري جمال الكحال، وهو مدير شركة «اسكوم» للطاقة والخبير الذي أشرف على مناقشة أطروحته، أسرّ إليه بأن ثمة بارقة أمل تلوح في أفق معهد ماساتشوستس للتقنية الذي قدم لبدر الدين منحة دراسية كاملة بعد اطلاعه على ملفه، لكنه لم يستغل فرصة يحلم بها أي باحث، لأن ثمة عرضاً كان ينتظره من جامعته السويسرية. نال العرض رضاه، وهو اليوم يتابع العمل على انجازه. «الأمر يشبه وضع معادلة لمراقبة حركة فقاعات الهواء داخل وعاء فيه ماء يغلي»، يحاول بدر الدين توضيح الفكرة بشكل بسيط.
لا ينكر الشاب خطورة اتخاذ قرار العودة إلى سويسرا التي تأقلم مع «جوها»، وأن يبدأ من الصفر في هذا المشروع، لكنه هذه المرة يحمل في جعبته «الخوارزمية الجديدة» التي استنبطها من خوارزمية موجودة، خلال عمله لعام في بلجيكا. هذه الخوارزمية «المطورة «التي يسميها اختصاراً حاملة الأحرف الأولى من أسماء الباحثين BMV الذين توصلوا إليها معه، تطبق للمرة الأولى في مجال الطاقة وستسمح باستخدامها في المزارع الهوائية لإنتاج الكهرباء، وهي تهدف إلى إعطاء حلول رقمية بشكل أسرع. وقد لبّى في مطلع آب الجاري دعوة مركز الأبحاث في جامعة بيروت الأميركية لتقديم محاضرة حولها، ويعمل الآن على تنقيحها استعداداً لنشرها.
منذ فترة حصل بدر الدين على إذن بمزاولة مهنة الهندسة النووية من وزارة الأشغال العامة اللبنانية، وانتسب إلى نقابة المهندسين، ليثبت أن هذه المهنة موجودة في لبنان، وإن عبر بطاقة فضية فقط، على أمل أن تصبح هذه المهنة شبه عادية كما في كل الدول المتطورة، ولإيمانه بضرورة هذا الإذن، لأننا «من لبنان وإلى لبنان نعود».
ويتمنى الباحث الواعد أن يتم إنشاء مركز حكومي للأبحاث في لبنان، «مما يشجع عودة الباحثين اللبنانيين حول العالم للعمل فيه، أسوة ببعض الدول العربية، ومنها مصر التي انطلق فيها مشروع «زويل». لكن هل ستسمح لي المحسوبيات بالعمل فيه؟»، يسأل بسخرية سوداء.
لا يتوانى «الفتى الفيزيائي النووي» عن إبداء رفض جريء وقاطع لإنشاء محطة نووية في لبنان: «صحيح أنها ستسدّ حاجتنا بإنتاج 1100 ميغاواط حراري لثلاثين سنة، لكن من يضمن سلامة المعمل؟ الوضع السياسي والأمني الحساس في لبنان سيهدد عندها المنطقة برمتها بكارثة تفوق كارثتي تشيرنوبل وفوكوشيما!

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة