المدارس الرسمية جنوباً: «بحّ وطارت»



داني الامين - 10-09-2012
عدّوا معنا. مارون الراس، رشاف، تبنين، رب ثلاثين، دير سريان، عدشيت القصير، القنطرة، طلوسة. في كلّ هذه القرى الحدودية، وغيرها، كانت هناك مدارس رسمية... وأقفلت. أما المباني التي كلّف تشييدها مئات آلاف الدولارات فهي إما خالية، وإما تستخدم لأغراض أخرى في وقت تبدو فيه الحاجة ماسّة لمبانٍ مدرسية في بعض المناطق . من يزر القرى الحدودية الجنوبية، فلن يلاحظ أن المنطقة تعاني مشكلة تربوية. عدد المدارس فيها مقبول، ولا سيما الرسمية، ما قد يوحي باهتمام الدولة بهذا القطاع، وخصوصاً في مناطق نائية. لكن الحقيقة مغايرة تماماً. المباني موجودة، ومعظمها جديد ولامع، لكنها مقفلة.
نبدأ من مدرسة مارون الراس الابتدائية، التي بنيت حديثاً ورمّمت بعد حرب تموز 2006. فعلى الرغم من أنها تتسع لأكثر من 500 طالب، إلا أنها أقفلت أبوابها. والسبب، بحسب الأهالي، سوء الرعاية التربوية ما لم يشجعهم على تسجيل أولادهم فيها، مفضّلين، رغم فقرهم، المدارس الخاصة المكلفة. قرار الإقفال هذا جاء في عام 2010 من وزير التربية آنذاك حسن منيمنة، وشمل إقفال عدد من المدارس ودمجها. وهذا ما حصل أيضاً في بلدة رشاف (بنت جبيل)، التي شيّد لطلابها الذين لا يزيدون على الثلاثين، بناء رسمي ضخم من ثلاث طبقات على نفقة مجلس الإنماء والإعمار، يتّسع لما يزيد على 1000 طالب. أقفلت المدرسة وانتقل طلابها إلى مكان آخر في بنت جبيل، كما طلاب مدرسة كونين، التي تتسع لنحو 1000 طالب، والتي أعيد بناؤها عام 2008 بعد تهدّمها في حرب تموز، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدرسة بنت جبيل الابتدائية الرسمية الأولى التي أعادت الحكومة القطرية تشييدها.
إذاً، ملايين الدولارات أنفقت على بناء المدارس المقفلة. والمشكلة في مكان آخر، وفق ما يؤكده أبناء المنطقة. يقول علي علوية، من بلدة مارون الرّاس: «لسنا نحن مصدر الخلل، بل ضعف الرقابة والأداء التربوي. كان على المعنيين معالجة هذه الأمور قبل بناء المدارس بملايين الدولارات ذهب معظمها إلى جيوب الملتزمين. الأجدى إنفاق هذه المبالغ على تأهيل الأساتذة والدعم التربوي الأكاديمي». يأسف علوية لإقفال المدرسة الرسمية الوحيدة في بلدته «هذا أمر سيتذكّره الأهالي بعد عشرات السنين. لطالما كانوا يحلمون بوجود مدرسة رسمية في بلدتهم توفّر حاجات أبنائهم التربوية المميزة، وخصوصاً أنهم يتكبّدون مصاريف طائلة على تعليم أولادهم في المدارس الخاصة البعيدة. أعتقد أن إعادة فتح المدرسة لن يكون سهلاً في المستقبل».
وهذا ما يؤكده المدير السابق للمدرسة المقفلة محمد حسن، «إقفال المبنى الكبير والوحيد للمدرسة، بعد تهدّم مدرسة أخرى في حرب تموز أمر صعب على البلدة وأبنائها، رغم ندرة الطلاّب، لأن إعادة فتح المدرسة في المستقبل سيكون صعباً جداً؛ لأنه يحتاج إلى تعيين أساتذة جدد أو نقلهم من مكان إلى آخر».
لكن عدد طلاب المدرسة، قبل إقفالها، كان ثلاثة عشر، مقابل ثمانية معلّمين، على الرغم من أن المبنى يتّسع لأكثر من 500 طالب. يلفت المدير إلى أن «إقفالها لن يوفّر المبالغ المالية على الدولة؛ لأنها لم تكن تدفع شيئاً لسدّ نفقاتها، فهذا من حصّة أولياء أمور الطلاب. حتى المازوت كانت توفّره الدول المانحة، أما رواتب الأساتذة فهي ستبقى كما هي، لأنهم انتقلوا إلى مدرسة بنت جبيل المتوسطة الرسمية الثانية، وانضمّوا إلى أكثر من ثلاثين معلماً هناك، رغم أن عدد الطلاب لا يزيد على 200». في بلدة تبنين، أقفلت المدرسة الرسمية الابتدائية الوحيدة، التي لم يكن عدد طلابها يزيد على الثلاثين، بعدما بيعت لمصلحة لجنة وقف البلدة. وكان يفترض استبدالها ببناء جديد، شيّد على نفقة الحكومة الكورية، ثبت أنه غير صالح ورفضت وزارة التربية تسلمه. في المقابل، تعجّ مدارس هذه البلدة الخاصة، إضافة إلى الثانوية الرسمية، بالطلاب من مختلف القرى المجاورة.
وفي بلدة ربّ ثلاثين (مرجعيون)، مبنى قديم للمدرسة الرسمية الابتدائية المقفلة. فقد كانت تضمّ في عام 2000 ثلاثين طالباً، وبدأ العدد يتناقص إلى أن أصبح أربعة يداوم على تدريسهم ستة أساتذة من المنطقة، بحسب أحد أبناء البلدة. يكشف الأخير أن«إهمال التدريس كان فاحشاً، حتى أن إحدى المدرّسات كانت تطلب منا الذهاب إلى الحقل لقطاف الصعتر البري وتقديمه لها. كنت وقتها في الصف الأول الابتدائي عندما قرّر أهلي إرسالي إلى إحدى المدارس الخاصة التي وجدتني غير صالح لإكمال الدراسة في الصف الأول، فاضطرّت إلى تسجيلي في صف الروضة». أقفلت هذه المدرسة أبوابها قبل حرب تموز، وأصبحت منذ ذلك التاريخ مركزاً للمجلس البلدي.
بلدية ديرسريان أيضاً تقيم اليوم في مبنى كان مدرسة بنيت أواخر التسعينيات وتتسع لأكثر من 500 طالب. وعلى الرغم من أن عدد طلاب البلدة يزيد على 250، إلا أنهم يكملون دراستهم الابتدائية في مدارس بلدة الطيبة المجاورة وغيرها. وفي عدشيت القصير مبنى مدرسة قديم صالح، لكنه مقفل أيضاً، وكذلك الأمر في بلدة القنطرة التي شيّد فيها مبنى كبير فارغ، كما هي حال طلوسة أيضاً. أما في حولا، فقد بنيت مدرسة رسمية متوسطة جديدة ملاصقة للمبنى القديم الذي أصبح مركزاً للبلدية أيضاً. هذا البناء الذي أنجز منذ نحو عشر سنوات يتسع لأكثر من 1000 طالب، يدرس فيه اليوم نحو ثلاثين، يتناوب على تدريسهم ما يقارب 15 أستاذاً. وفي مركبا حاولت البلدية دمج طلاّب المدرسة الرسمية بعدما تناقص عددهم ليقارب العشرين، وذلك بإغراء الأهالي بتسجيل أولادهم على حساب البلدية والتعهد بدفع بدلات النقل وثمن الكتب، لكن ذلك لم يحقق نتيجة باهرة، إذ لم يرتفع عدد الطلاّب إلا قليلاً. وفي عيتا الشعب (بنت جبيل)، مدرستان متوسطتان، تضمّ إحداهما نحو 400 طالب، إضافة إلى مدرسة مهنية تضم نحو 170 طالباً. لكن اللافت تراجع أعداد الطلاب المسجلين في قسم اللغة الفرنسية. وهنا تلفت مديرة إحدى مدارس بنت جبيل إلى أن «أحد أهم أسباب تدنّي عدد طلاب المدرسة انتشار المدارس الدينية الخاصة في عين إبل وبنت جبيل، إضافة إلى عدم وجود فروع للغة الإنكليزية. فقد بات أهالي المنطقة يفضّلون الفروع الإنكليزية على الفرنسية». الدليل على ذلك أن «مدرسة جميل بزي الابتدائية الرسمية يزداد عدد طلاّبها عاماً بعد عام بسبب وجود فرع للغة الإنكليزية». هذا العدد «المتزايد» وصل في العام الماضي إلى ستة وأربعين، مقابل خمسة عشر معلّماً!».
يشار إلى أن مدارس قضاء بنت جبيل تضم نحو عشرة آلاف تلميذ، موزعين على القطاعين الرسمي والخاص. والقسم الأكبر من التلاميذ لا يصل إلى المرحلة الثانوية، إذ يشير الواقع إلى نسب تسرّب كبيرة من المدارس في المرحلة المتوسطة. وتضمّ المنطقة أكثر من اثنتي عشرة مدرسة خاصة، ابتدائية ومتوسطة استحوذت على العدد الأكبر من التلامذة، في مقابل انخفاض عدد التلامذة في الابتدائيات الرسمية.

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة