شمس الدين شِعْره بلسم للأفئدة



النهار - الصيدلي عباس وهبي - 27-02-2015
رحل القلب العاملي الحنون، رحل عاشق النبطية والجنوب، بعد غيبوبة اجتاز خلالها فقيدنا من جنة الاحلام الى دار الفناء... ثمانون عاماً تأجج أوارها في بلدة مجدل سلم الجنوبية التي قال عنها الصفدي في العهد المملوكي: "ومجدل سلم ناحية من نواحي النبطية"، لذا لا غرو أن أبا علي أمّها ليتابع دروسه التكميلية والثانوية بعدما انهى الابتدائية في مسقط رأسه، ومن ثم استقر وعائلته فيها الى حين وفاته، ولم يفارقها حتى في غمرة احداث التهجير، بل في أحلك أيامها..
منتصف الخمسينيات عمل في مصلحة المساحة الى حين تقاعده، وخلال هذه المرحلة كان ينثر درره الشعرية التي كان يؤرشفها بخط يده فكانت الكلمات تتألق جوهراً وشكلاً على صفحات دواوينه. تألق أبو علي في المهرجانات الشعرية العربية من سوريا الى العراق فالكويت، ولم يجعل شعره سلعة للبيع، بل بلسم للأفئدة، اذ حاكى الحياة وناجاها في أفراحها وعشقها وألمها وجمالها فصدح شعره غناء وغنّى له العديد من المطربين أمثال نازك ونور الهدى ووديع الصافي (لا تسلنا، لو يدري الهوا لو يدري) وعاصي الحلاني (سيدتي) وأحمد قعبور (ما اخترت سواك) وقد تحلى شعره بالروح الوطنية والقومية العالية وبحبه للمقاومة. وكان للنبطية نصيب من ومضات ذاته. ترك ثمانية عشر ديواناً وثماني مخطوطات لم تنشر بعد. أما دواوينه فهي: "ظلال" (1963)، "مواسم" (1965(، "الحب أحلى" (1967)، "الفجر المدمى" (1969)، "قصائدي لكم" (1972)، "بين حد الحروب والحب" (1981)، "أغنيات عشق جنونية" (1982)، "ظل وجهك" (1993)، "الأعمال الشعرية" (1997)، "جسد حاصره الحب" (2000)، "في انتظار فرحي" (2001)، "أشواق مسافرة" (2003)، "آخر الكلمات" (2003) وقد رسم كلماته بخط اليد: "لصيق بك القلب" (2007)، "أدرك وجهك خلف الحصار" (2008) وديوان "وتبقى القصيدة شاهدة" الذي نشره سنة 2011. أفجع قلبه وفاة ولده الوحيد المرحوم علي بين ثلاث بنات فكانت الجمرة تكويه حتى آخر أيام حياته، وقبل مدة من وفاته التقيته خارجاً من مكتبه فهرعت اليه معانقاً، فقال معاتباً: ولو لمَ لا تزورني؟ فأجبته خجلاً: أنت محق، وأنا مقصّر لكن انهماكات الحياة من عمل اجتماعي وصيدلاني حالت دون القيام بواجبي، ثم قال لي: هلا رافقتني الى الجهة الأخرى لأنني عدت لا أرى جيداً! فقفز قلبي بين ضلوعي، وقلت له: سلامة عيونك يا أبا علي، ورافقته وكان لقاء جميلاً، لكني لم أكن أدري أنني أودع شاعراً كبيراً لن تراه عيناي بعد اليوم! لكن عقلي وقلبي سيذكرانه دائماً، هذا الفارس العاملي الذي امتطى صهوة الشعر العمودي – التفعيلي، شاعر الانسان والارض والقضية، شاعر المرأة والأمة والوطن الذي يعتبر من أهم الشعراء العرب في الزمن المعاصر. فأبو علي لم يحب التغاوي ولا البهرجة ولم يجعل شعره فلوكلوراً رخيصاً، بل ارتقى به الى مصاف قداسة الشعر وألقه، وصنع له تاجاً من أنامل يديه، ثم سكب من روحه فيه فاعتلى به الى الأعلى حيث النسور القشاعم.
أحب عبد الكريم شمس الدين الأرض فكانت في صميم عمله أن يؤم الحقول ويؤاخي الطبيعة حيث نشأ الشعر نشأته الأولى فعرف أسراره من الرياض المليئة بالأقحوان والبيلسان، وعشق عبير الياسمين ففاحت رائحته في شعره جمال طيب وأريج عشق.
لا أقدر أن أنهي حديثي عنك أيها الأب والشاعر الطيب، فأنت في الزمن باق، كيف لا، فشلالات كلماتك أصبحت كالماء العذب تسري في أدوية وسهول وجبال لبنان والأمة.

عضو المجلس البلدي لمدينة النبطية

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة