عبدالله ناصرالدين
في عمق الجنوب اللبناني، وتحديدًا على أعالي تلال جبل الريحان في بلدة صغيرة اسمها “سجد”، يرقد مقام نبي من أنبياء بني يعقوب، تُجمع الروايات الدينية والتاريخية على أنه “أهوليئاب بن أخيسماك” – المعروف في التراث الإسلامي باسم النبي سجد، أحد أحفاد دان بن يعقوب، ابن النبي إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام.- جذوره التوراتيةورد اسم النبي “أهوليئاب” في سفر الخروج (خروج 31:6) من التوراة، حيث جاء: “وهأنذا قد جعلت معه أهوليآب بن أخيساماك من سبط دان. وقد ملأت قلب كل حكيم قلب حكمة ليصنعوا كل ما أمرتك.”اختير أهوليئاب إلى جانب بصلئيل بن أوري بن حور من سبط يهوذا، لصناعة خيمة الاجتماع (بيت المحضر)، وتابوت العهد، وكل أدوات العبادة التي أمر بها “الله” نبيّه موسى عليه السلام. وتصفه النصوص التوراتية بأنه حكيمٌ في فنون النسيج والتطريز والنجارة وصناعة الذهب والفضة، وقد نال من موسى دعاءً بالبركة والحفظ.في صحبة الأنبياءشارك أهوليئاب في حقبة النبي موسى عليه السلام، وكان من رجالاته الأوفياء، وبعد وفاته، رافق النبي يوشع بن نون في فتح الأرض المقدّسة، وسكن بعدها مع سبطه “دان” في منطقة يافا، ثم انتقل شمالاً ليستقر في أرض جبل عامل، وتحديدًا في منطقة جبل الريحان، حيث بقي فيها حتى وفاته.- من “السجود” إلى “سجد”تروي الروايات المحلية أن النبي سجد أقام طويلاً في أعلى قمم جبل الريحان، عاكفًا على العبادة والذكر، حتى عُرف الموضع الذي اختاره للسكَن والدفن بـ”سجد” نسبةً لسجوده الطويل. وهناك، بني مقامٌ صغير عليه، صار مزارًا لأهل المنطقة والوافدين.- تاريخ المقام وتدميرهكان مقام النبي سجد يحوي قلعة أثرية صغيرة تعلوه، ويتبع رسميًا لأوقاف الطائفة الشيعية في لبنان، إذ لطالما احترم أبناء الجنوب هذا الموقع المقدّس، رغم انتمائه إلى نبي من أنبياء “بني إسرائيل” ، في تقليد يعبّر عن الامتداد الإيماني المشترك بين الرسالات السماوية. لكن، خلال احتلال جنوب لبنان، قام جيش العدو الإسرائيلي بتدمير المقام والقلعة في محاولة لطمس المعالم الدينية والتاريخية، وذلك قبل انسحابه وتحرير الجنوب من الإحتلال في 25 أيار 2000.ورغم مرور أكثر من عقدين على التحرير، لا يزال المقام حتى اليوم مهدّمًا ومجردًا من أي بناء أو رعاية حقيقية، بانتظار مبادرة لإعادة إعماره. وتعمل ادارة أوقاف الطائفة الشيعية في لبنان حالياً على التخطيط لإقامة مسجد ومزار في الموقع، رهن توفر الإمكانات ودعم المتبرعين.- قيمة دينية وتاريخيةلا تقتصر رمزية مقام النبي سجد على بعده الديني فقط، بل يتعداه إلى بعد ثقافي وحضاري، يجمع بين الإيمان المشترك، والتسامح الروحي، والاعتراف بتاريخ الأنبياء في أرض لبنان، حيث مرت أقدام الأولياء والرسل. إن ترميم هذا المقام ليس فقط واجبًا دينيًا، بل أيضًا حفظٌ لذاكرة أرض اختزلت الرسالات، واحتضنت المرسلين.

