مع تراجع المهنة... القهوجي النبطاني أبو سعيد يحاول التعايش مع الواقع الجديد


غيّر الناس الكثير من عاداتهم، باتوا أكثر تقشّفاً من ذي قبل، تخلّوا عن الرفاهية وعن أكل اللحوم والدجاج، فزمن البذخ ولّى مع هطول عاصفة الأزمات الحالية، وبات همّهم ينصبّ على تأمين دواء وكهرباء ولقمة ع قدّ الحال.

قبل عام مضى كان الوضع تحت السيطرة، لم تكن الأزمات قد توغّلت في كل مفاصل الحياة، أقله كانت الطبابة متوفرة للجميع، ليس مثل اليوم الطبابة لمن يملك المال، ففرق الضمان أو الوزارة بات يوازي معاش اربعة أضعاف الحد الادنى للأجور، هذه الأجور التي حافظت على ثباتها، لم تهتزّ، ولم تهزّ ضمير الدولة الحاكمة، أبقت معاشات العمال وفق سعر الـ1515، فيما السلع والطبابة والبنزين والدواء بات وفق سعر الـ3900 والـ12 الف ليرة، فكيف سيواجه ويصمد؟

على ما يبدو أن الناس بدأت تصرخ، فالدواء بات صعب المنال، لم تستطع أم يوسف شراء دواء شدّ عصب لابنتها، تخلّت عنه بالرغم من حاجتها له، تخطّى سعره قدرتها، "كنت أريد مسكّناً لآلام ابنتي، فالوجع هدّها، غير أنني عجزت عن الشراء، ماذا أفعل"؟ تبكي السيدة من حرقتها "حتى الدواء حرمونا اياه، ماذا يريدون اكثر"، حاولت شراء ظرف واحد من الدواء غير أن العلبة داخلها ظرف واحد وبالتالي خسرت آخر خرطوشة لتضميد آلام ابنتها المريضة.

كثر بدأوا يشعرون بحدّة الأزمة، باتوا أكثر خوفاً من قبل، أكثر ترقّباً، يتحسّبون للأسوأ، فكل ما حولهم مأزوم.

في الطريق تكاد الحركة أن تكون مشلولة تقريباً، تماماً كحال الادارات العامة المعطلة بالكامل بسبب اضراب الموظفين والعمال، وحده القهوجي يحاول أن يخرق جدار الصمت، حاله يرثى لها، فالمهنة تراجعت كثيراً، سيما مع ارتفاع سعر القهوة، خفّت حركة القهوجي في المنطقة، تراجع حضورهم، باتوا قلة، كثر تخلوا عن ابريق القهوة العربية وفنجانه الصغير، حتى طرطقة فنجان خفُت صوتها.

يحاول أبو سعيد القهوجي أن يتعايش مع الواقع الجديد، فهو يقف بين نارين، بين الغلاء واطفاء جمر ابريقه النحاسي القديم. لم يكن يتوقع القهوجي العتيق ان يمرّ بظروف مماثلة، أن يتخلى معظم الناس عن فنجان القهوة الذي "يروّق الرأس" هذه الأيام، غير أن الظروف أكبر من ان يتحمّلها أحد. داخل سوق اللحم في النبطية، السوق الذي اقفلت معظم محاله بعدما قاطع الناس اللحم، لا حضور لمناقل اللحم ولا لدخانها، وحده دخان ابريق قهوة ابو سعيد يخترق الصمت، يرفض ان يتنحّى عن مهنته التي أمضى فيها أكثر من خمسين عاماً، يحاول أن يحارب الظروف ولو بفنجان قهوة عربية على أصولها، فالقهوة بالنسبة له كالروح، فهو تعايش معها منذ طفولته، لم تحرقه نار فحمها كما حرقته الازمة الاقتصادية، ولم يتقاعد منها رغم تجاوز السن التقاعدي، ما زال يعمل لان الظروف صعبة جداً. أكثر ما يقلقه ليس صعوبة تأمين ثمن كيلو البن الذي تخطّى سعره الـ90 الف ليرة، بقدر ما يقلقه صعوبة تأمين ادويته، فهذه الكارثة برأيه، وهي الاخطر على حياته، "ما الذي يريدونه منا، الا يكفي معاناتنا الاقتصادية حتى يحاربونا في دوائنا"؟

من الصعب جداً ايجاد صيدلية تعمل في النبطية أو لديها دواء، معظم من فتح أبوابه ينتظر الفرج. فمنذ اعلان رفع الدعم، والدواء لم يصل، حتى الادوية المدعومة مفقودة كلياً، وبحسب الصيادلة أنفسهم فإن الأزمة الحالية من أخطرها، فالشركات ترفض تسليمنا الدواء وفق سعر الدعم، وعليه، سيبقى المواطن يدور في دوامة البحث عن دوائه.

كان يعتقد الناس أنهم تحرّروا من عدوّهم اللدود اسرائيل، غير أن ما فاجأهم ان دولتهم بسياسييها الفاسدين إحتلتهم بالأزمات التي يعجز عن تحمّلها أحد، اذ لم يشهد التاريخ يوماً أن تخلّى اللبناني عن اللحم والدجاج، وفقد دواءه وأُذلّ من قبل أبناء جلدته على المحطات، كما يحصل اليوم. ما يريده الناس اليوم نعمة الدواء، خاصة وأنهم مقبلون على موجة "كورونا جديدة" ومن دون الدواء لن يقووا على مواجهتها، فهل تحلّ الأزمة، أم ستشهد البلاد أزمات أخطر؟
نداء الوطن - رنا جوني

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة