وللبعث رجال كظافر المقدم



خالد كموني - 03-09-2013
هكذا، مذ كنَّا نحاكي البعث أوراقاً وبيانات واجتماعات. نركض خلفك كأننا نخاف أن نفلت منك لحظة، فحضورك الفكرة والقلم والصوت الجهوري معاً. وثقةٌ بأن الماء لا يترك رملَ الصحراءِ وحيداً، كانت عيناك تشيمُ بنا نخلاً نتشابه فيه مع نخلٍ مثلنا في كل أرضٍ للعرب. ويكون لوقفتك أمام الكلِّ تغريدةَ عشقٍ لحياةٍ لا تنتهي، سمَّاها لنا الوجدان ثورة. يأتيك الصبحُ متأخراً إلى حيث تكون، فترمقه معاتباً على تأخُّر الفجر والشروق. كنت تسابقُ تمتمةَ الشفاهِ لتقول الرأيَ الصارمَ بينَ الشباب الحاضرين في ندوات النضال والسياسة. كان العراقُ مقدَّساً في دفتر أحلامك، فلا كلام بلا وضوءٍ في محراب الرسالة الخالدة. وفلسطين، معشوقتك التي ألهتك عن كل النساء، جعلتها طريقاً لوحدةٍ ترسَّخت بطليعةٍ من كهولٍ وشباب وعجائز ونساء. من أين كنت تضمُّ كل أغصان شجرتك الغنَّاء؟ من أينَ يستوحيكَ الجُرحُ العربيُّ لتقوى على كل مظاهر الخذلان في بلادي؟ من أين كنتَ تعثرُ على ظافرَ بين هذا الوهم المتشابك كرأس راهب؟
إنها السياسة، احتاجت منك العُمر كلَّه، حتى آخر اجتماع. لم تترك يوماً أحجار النهار تغفو في الليل، قبل أن تلعب شطرنج تدابيرك لإبداع وجهة نظر. كم جميلةٌ وجهات النظر يا أبا محمَّد! وكم يرتقي الواحد بمحاورتك، إذا استطاع حجز مكانٍ لكلماته بين دفقِ أحاسيسك ووهج إيمانكَ بالقضية. ببرودة العقل ولهيب الإيمان كما قال الأستاذ ميشيل عفلق، هكذا مشيت بنا إلى الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي، وهكذا كنت تقود الحملة الأهلية أنت ورفاقك لنصرة العراق وفلسطين. وكنتَ يا ظافرُ تأبى أن تسمع كلمة سقط، يُلصقها أحدٌ على قُطرٍ عربي أو قائدٍ رمزٍ شهيد.
لم تسقط في قاموسك بغداد ولا حتى فلسطين يا رفيق. فكل العواصمِ حيَّةٌ تغازل السماء بكحلها العربي الأسود الذي تبيض له قلوب المؤمنين وتحمرُّ خدود المناضلين لترسو روابينا خضراً بأفكار البعث الذي يلي الموت ولا يجاريه.
البعثُ يا ظافر يبقى لأنك يوماً مررت به، ومثلك مرَّ، لذلك يبقى، فنم قرير العين واصعد حيث تشاء في سماءٍ تستحق رؤيتها بعد طول الكفاح. والق ربك، بقلبٍ هادئ كالطفل لحظة استيقاظه، فنحن في أول الطريق، مهما توعَّدتنا الحروب والمعارك. كلُّ السواد يجلو صفحاتٍ من الفكرٍ كدَّستها في عروقِ أجيالٍ وأصحاب ومواقف. والرحمةُ بالدعاء نرجوها لعينيك الهادرتين دوماً، وليديك الحركيَّتين كالزمان، ورأسك المهموم بالإنسان. فلك منا الوفاء والسلام.

facebook.com/AUCESouth/?ref=bookmarks


 


 

© 2011 nabatieh.org
موقع النبطية - لبنان
المواد التي يوفرها الموقع متاحة للإستخدام أمام  الجميع مع الأمل بأن تنسب إليه
-
برمجة: المهندس خضر زهرة