بقلم: فاطمة المولى
جمال البدايات… ووهم الاستمرار
أنت لا تحبّ القراءة؛ بل تفضّل الاستماع.
وأنا لا أحبّ الكلام؛ لكنني أجيد الكتابة.
فكيف نلتقي، إن كنتَ لا تقرأ، وأنا لا أتكلّم؟
ليست هذه مجرّد مفارقة لغوية، بل صورة مكثّفة عن مأزق العلاقات الإنسانية:
نحبّ بصدق، لكننا نفشل في التلاقي. نقترب بالمشاعر، ونتباعد بالوسائل.
فالمشكلة، في جوهرها، لا تكمن في نقص الحب بل في سوء ترجمته.
ونحن نعجز عن تعلّم لغة الآخر، لا لأننا لا نستطيع، بل لأننا وغالبًا لا نريد أن نُرهق ذواتنا بالتغيير.
العلاقة: أكثر من رابط سطحي بسيط.
العلاقة ليست مجرد صلة بين طرفين، بل مساحة مشتركة تتشكّل بقدر ما يُستثمر فيها من وعي.
هي لقاء بين تاريخين، روحين مزقهما الالم ، واحتياجات غير مُعلنة، وتوقّعات لا تُقال خوفًا من خسارة الآخر.
ولهذا، لا تبدأ العلاقات من الحاضر فقط، بل من الماضي أيضًا. من طريقة تعلّمنا الحب، ومن صورة الأمان الأول في حياتنا، ومن الجراح التي لم تُشفَ لكنها تعلّمت أن تتخفّى وتظهر في صور مختلفة.
البدايات: صدق اللحظة… وخداعها
في البدايات، نكون أخفّ ممّا نحن عليه لاحقًا. لا لأننا أفضل، بل لأننا لم نُختبر بعد.
جمال البدايات لا يكمن في كمالها، بل في غياب المطالب. نُحب دون حساب، ونتغاضى بدافع الأمل، لا النضج. نصمت عن أولى الإشارات، ونُقنع أنفسنا أن الاختلاف تفصيل وأن ما نشعر به كافٍ لترميم كل خلل قادم.
وهنا، تحديدًا، تُزرع بذور الانكسار:
حين نؤجّل الأسئلة الجوهرية باسم اللحظة الجميلة، ونؤمن أن مع الوقت سيُصلح ما لم نجرؤ على مواجهته.
الاستمرار: حين يسقط الوهم
الاستمرار ليس امتدادًا للبدايات، بل امتحان لها. فبعد أن تندثر اللهفة، ويهدأ الانبهار، يظهر الإنسان كما هو:
بعاداته، وحدوده، وأنانيته، وقدرته و عجزه عن المشاركة.
وهنا يتبيّن أن الحب وحده لا يكفي. وتتضح صورة العقل الجلية والوعي الكاشف للحقيقة.
فالاستمرار يحتاج إلى وعي متبادل، لا إلى تضحية صامتة. إلى شراكة لا تقوم على الاحتمال، بل على الاختيار اليومي. أن نفهم الآخر لا كما نريده بل كما هو مع مفارقة التنازلات التي لا تلغي الشخص انما ينصهر بوعي وارادة مع الاخر لتكملة المسير.
وأن نُحبّه لا بالطريقة التي نُحبّ بها أنفسنا، بل بالطريقة التي يشعر بها هو أنه محبوب.
أن يتم تبادل الاهتمام ؛ أن يكون كلٌّ منهما ملاذ اعتراف للآخر؛ أن يكون للعفوية والتلقائية مساحة؛ المصارحة الصادقة بين الطرفين و التناغم بين القول والفعل عنوانا بين الطرفين.
حين يتحوّل الاستمرار إلى استنزاف:
أخطر ما في العلاقات ليس الفشل، بل الاستمرار الخاطئ. حين يبقى شخصان معًا بدافع الخوف، أو العادة، أو الزمن المشترك، فتتحوّل العلاقة من مساحة أمان إلى عبء، ومن مشاركة إلى صمت ثقيل قاتل.
عندها، لا ينتهي الحب فجأة، بل يتآكل بصمت.وتُبحث السعادة خارج العلاقة، لا لأن الآخر سيّئ بل لأن العلاقة لم تعد حيّة.
الانفصال الواعي: نضج لا هزيمة
ليس كل انفصال فشلًا، كما أن ليس كل استمرار نجاحًا. الانفصال الواعي قد يكون ذروة النضج،
حين يُدرك الطرفان أن الحفاظ على الكرامة والصدق أصدق من التمسّك بصورة علاقة انتهت وظيفتها. أن نترك دون تشويه، وأن نغادر دون إنكار لما كان، يكون شكلا من أشكال الوفاء.
الاختيار: حيث يبدأ كل شيء
الاختيار الصحيح لا يبدأ بالإعجاب، بل بالسؤال:
هل يشبهني هذا الشخص في قيمه، لا في كلامه؟
هل يستطيع أن يختلف دون أن يُهين؟
هل يملك شجاعة المواجهة، لا مهارة الهروب؟
والأهم:
هل أعرف نفسي بما يكفي لأختار، أم أبحث في الآخر عمّا ينقصني؟
فالعلاقة ليست خلاصًا، ولا تعويضًا عن فراغ، بل لقاء شخصين كاملين نسبيًا، اختارا أن يتقاسما الطريق، لا أن يتّكئ أحدهما على هشاشة الآخر.
في الختام:
الاختيار السليم لا يضمن الدوام، لكنه يمنح العلاقة فرصة عادلة للحياة. ويجعل الفشل أقل تشويهًا، وأقرب إلى السلام منه إلى الندم.
فالسؤال الحقيقي ليس:
هل اخترنا جيدًا؟ بل: هل كنّا واعين بما يكفي ونحن نختار؟
أخبار شائعة
- صندوق النفط النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية بنحو 80 مليار دولار
- وزارة الثقافة تتسلّم قطعاً من توابيت رصاصية رومانية هُرّبت بشكل غير قانوني من صور
- الرئيس بري يلتقي وفدأً من مجلس الجنوب وآخر من الضمان الاجتماعي والقاضي الحاج
- عراقتشي رداً على نظيره الأردني: كم علينا الانتظار قبل الرد على معتدٍ لا يحترم سيادة إيران والعرب؟
- أسعار الديزل في الولايات المتحدة تسجل مستوى قياسياً مع استمرار الحرب على إيران
- بيسنت يحمّل كييف جزءاً من مسؤولية صدمة الطاقة ويثير انتقادات أوكرانية
- فرنسا تسجل 7000 وفاة إضافية خلال موجات الحر حتى أواخر تموز
- انتشال جثة مجهولة الهوية مقابل الرملة البيضاء – بيروت
جمال البدايات “ووهمُ الاستمرار” حين يتحوّل إلى استنزاف
المقالات ذات الصلة
موقع النبطية

النبطية
nabatieh.org1@gmail.com
