يقول محمد ياسين، وهو عامل بموقف سيارات في وسط جاكرتا، إنه قلّل من وجباته حيث جعلت الأسعار المرتفعة المواد الغذائية الأساسية بعيدة المنال.
“كنت أستطيع شراء الأرز والتيمبيه والتوفو مقابل 7000 إلى 8000 روبية (0.39 إلى 0.44 دولار). أما الآن فقد أصبح سعرها 15000 روبية”، قال ياسين، الذي يكسب ما بين 200000 و300000 روبية أسبوعياً، وهو إلى جوار المتجر الصغير حيث يراقب الدراجات النارية المتوقفة.
ومن المتوقّع أن يتسارع التضخّم الغذائي العالمي في الأشهر المقبلة ويستمر حتى عام 2027، حيث إنّ اضطرابات الشحن المرتبطة بالحرب والجفاف الناجم عن ظاهرة “إل نينيو” يضغطان على إمدادات الحبوب، مما يضع ضغطاً إضافياً على المستهلكين الضعفاء مثل ياسين، وهو أب لأربعة أطفال. وفي إندونيسيا، قفزت أسعار الأرز بالفعل إلى مستويات قياسية وسط توقّعات بتأخّر هطول الأمطار، بينما ارتفعت تكلفة الخبز في مصر بنسبة الربع، ووصلت أسعار السكر في الهند إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق حيث أدّى أضعف موسم رياح موسمية منذ أكثر من عقد إلى كبح الإنتاج.
“كلّ هذا وضع ضغطاً كبيراً على النظام”، كما قال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو”، مضيفاً “سنشهد تأثيراً أكبر مع نهاية العام، وفي بداية العام المقبل، وربما طوال العام المقبل”.
ويتضرّر أفقر المستهلكين في العالم بشدّة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل حادّ في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، حيث تمثّل المواد الغذائية نسبة أكبر من الإنفاق الأسري. ووفقاً للبنك الدولي، تجاوزت أسعار المواد الغذائية في الربع الثالث من العام معدل التضخّم الرئيسي في 22% من الدول الـ 150 التي حللها، بزيادة عن 14% في الربع السابق. وبلغ متوسط مؤشر أسعار الغذاء لمنظّمة “الأغذية والزراعة” 136 نقطة في أيلول/سبتمبر، وهو أعلى مستوى له منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
ويؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة خطر الاضطرابات الاجتماعية، وقد يدفع الحكومات التي تعدّ مورّدين رئيسيين إلى فرض حظر على الصادرات، مما يزيد من تفاقم النقص.
صدمات إمداد متعدّدة. كما أدت الهجمات على البنية التحتية للحبوب في البحر الأسود إلى تعطيل شحنات القمح، ما أجبر أكبر المستوردين، مصر وإندونيسيا، على البحث عن مصادر بديلة، في حين أنّ انعدام الأمن في البحر الأحمر يحوّل السفن إلى طرق أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا.
وقد أدّت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود وتعطيل صادرات الأسمدة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الزراعة حتى مع انخفاض الإنتاج في الهند وجنوب شرق آسيا بسبب طقس “إل نينيو” الجاف. وارتفعت أسعار القمح بأكثر من 30% في عام 2026، بينما ارتفعت أسعار الأرز في الدول الآسيوية الرئيسية المصدّرة بنسبة تتراوح بين 10% و13% على الرغم من وجود مخزونات كبيرة. أما أسعار الأسمدة فقد انخفضت عن مستويات الذروة التي بلغتها في وقت سابق من الحرب الإيرانية، لكنها لا تزال مرتفعة.
وفي مصر، ارتفعت أسعار الخبز غير المدعوم إلى نحو 5 جنيهات مصرية (0.093 دولار) للرغيف الكبير من 4 جنيهات في تموز/يوليو، بينما ارتفع سعر زيت الطهي بنحو 40% في الإمارات. ارتفع إنتاج الزيوت النباتية في إندونيسيا بنسبة 7% هذا العام، على الرغم من أنّ البلاد هي أكبر منتج لزيت النخيل في العالم. كما ارتفعت أسعار السكر والبصل والبقوليات في الهند بأكثر من 10% في أيلول/سبتمبر مقارنة بالشهر السابق بسبب نقص الإنتاج.
وارتفعت أسعار الشحن بنحو 50% على بعض الطرق العالمية الرئيسية مثل البحر الأسود إلى جنوب شرق آسيا مع ارتفاع أسعار النفط وعلاوات الحرب. وفي حين أنّ أسعار المواد الغذائية ترتفع منذ أواخر عام 2025، فإنّ تضاؤل الإمدادات المحلية وارتفاع تكاليف السلع الأساسية التي تؤثّر على المستهلكين يهدّد بتسريع التضخّم. ويحتاج المستوردون الرئيسيون في الشرق الأوسط وأفريقيا الذين امتنعوا عن الشراء بعد مواسم الحصاد المحلية القوية إلى العودة إلى أسواق العالم، مما قد يؤدّي إلى زيادة كبيرة في الطلب.
وتقوم شركات تصنيع الأغذية التي تشتري المواد الخام عادةً بموجب عقود تتراوح مدتها من ثلاثة إلى ستة أشهر، الآن بتجديد تلك الصفقات بأسعار أعلى، حيث يؤدّي ضعف العملات المحلية إلى تضخيم التكاليف.
وقال فرانسيسكوس ويليرانغ، مدير شركة “PT Indofood”، أكبر شركة أغذية في البلاد “لقد ارتفعت تكاليف الشحن أيضاً، وعند تحويلها إلى الروبية، يتضاعف التأثير بسبب ضعف العملة الإندونيسية”. وأضاف التجار أنّ مصنّعي الأغذية يواجهون صعوبات في تأمين الإمدادات، إضافة إلى ارتفاع الأسعار.
وأظهرت بيانات شركة “كيبلر” أنّ واردات القمح الإندونيسية انخفضت بنسبة 41% لتصل إلى 491 ألف طن متري في أيلول/سبتمبر مقارنة بالعام السابق. وتعتمد الإمدادات المستقبلية على الإنتاج في الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية، على الرغم من أنّ ارتفاع أسعار النفط قد دعم كِلا المحصولين بسبب تزايد استخدامهما في الوقود الحيوي.

