أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء الفائت، أنّه اتفق مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على وقف المساعدات الأمنية الأميركية لـ”إسرائيل”، البالغة 3.8 مليارات دولار سنوياً، معتبراً أنّ “إسرائيل” أصبحت “دولة مزدهرة” ولم تعد بحاجة إلى هذه الأموال، لكنها تستطيع مواصلة شراء الأسلحة الأميركية.
وربط ترامب الإعلان بالانتقادات التي يوجِّهها مرشحون ديمقراطيون إلى إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين على “إسرائيل”، في خطوة قُرأت على أنها محاولة من ترامب لسحب حجة انتخابية من خصومه تتعلّق بتمويل “إسرائيل”.
وقال ترامب إن المبادرة جاءت من نتنياهو، الذي سبق أنْ أعلن مراراً عن رغبته في إنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية تدريجياً خلال نحو 10 سنوات، ضمن توجّهه نحو بناء ما وصفه بـ “أسبرطة العظمى”، أيْ “إسرائيل” القادرة على تعزيز استقلالها العسكري والاقتصادي.
لكنّ هذا الإعلان أثار تساؤلات بشأن طبيعة التفاهم بين الرجلين، ولا سيما أنّ ترامب تحدّث عن وقف المساعدات في نهاية عام 2026، بينما ينصّ الاتفاق القائم (منذ عهد أوباما) على استمرارها حتى نهاية عام 2028. ولم يصدر تأكيد إسرائيلي رسمي بشأن الموعد أو آلية التنفيذ، كما لم يتّضح ما إذا كان القرار سيشمل التمويل المشترك لمنظومات الدفاع الصاروخي، وفق الإعلام الإسرائيلي.
ارتباك في المؤسسات الإسرائيلية
أثار الإعلان مفاجأة وارتباكاً في وزارتَيْ الحرب والمالية وكذلك في “الجيش” الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية والعسكرية، إذ نُقِل عن مسؤولَيْن إسرائيليِّيْن أنهم لم يتلقّوا إنذاراً مسبقاً، رغم استمرار الحوار مع واشنطن بشأن الاتفاق الأمني المقبل.
وقد جاء ذلك بعد نحو أسبوعين من زيارة وفد إسرائيلي إلى الولايات المتحدة لبحث خطط المشتريات المستقبلية، في مجال (مكوّنات) الدبابات والذخائر والاتصالات والإلكترونيات والصيانة والحماية.
بحسب ما أورد موقع القناة الثانية عشرة (N12)، فوجئت وزارة المالية بتصريح ترامب، إذ كانت تخطّط لموازنتَي 2027 و2028 على أساس استمرارها حتى انتهاء الاتفاق الحالي. وحذّرت مصادر في الوزارة من أن وقف التمويل، في ظل التزامات شراء قائمة، سيُلزم الحكومة بتأمين موارد بديلة.
ومع أن التوجّه الأميركي العام نحو تقليص المساعدات أو إنهائها كان معروفاً، فإن نطاق الوقف وآلية تنفيذه لم يتّضحا بعد، ما يُبقي تداعياته المالية مرهونةً بما سيُنفّذ فعلياً، وسط ارتفاع الإنفاق العسكري والالتزامات المترتبة عليه.
كما أثار الإعلان تساؤلات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية بشأن ما إذا كان ترامب يقصد إلغاء الاتفاق الحالي، أم تغيير نموذج التعاون الأمني تدريجياً، وما إذا كان نتنياهو قد عقد تفاهماً بهذا الحجم من دون التشاور مع الجهات المهنية ووزارة المالية والحكومة والكابينت.
خلفية التفاهم ودور نتنياهو
يرى باراك رابيد موفد القناة الـ 12 الإسرائيلية إلى واشنطن، أن نتنياهو طرح على ترامب، خلال لقائهما في مارالاغو في كانون الأول 2025، تقليص المساعدات ابتداء من الاتفاق المقبل، وليس إنهاء الاتفاق الحالي. ويشير إلى أن ترامب فوجئ بالمقترح آنذاك، وأن مستشارين إسرائيليين حذروا نتنياهو من المبادرة إليه.
ويطرح رابيد احتمالَيْن لتفسير الإعلان الأخير: إمّا أنّ ترامب لم يكن دقيقاً في تحديد الموعد، وإمّا أنّ هناك تفاهماً غير معلن لإنهاء الاتفاق قبل موعده بعامَيْن. ويقول إنّه لم يتلقَّ جواباً واضحاً من مكتب رئيس الحكومة بشأن ذلك.
أما معلّق الشؤون السياسية في “معاريف” بن كسبيت، فيرى أن القضية تتجاوز خسارة المساعدات المالية، وتعكس تراجع التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، الذي شكّل أحد أعمدة “الأمن القومي” الإسرائيلي. ويحمّل نتنياهو مسؤولية هذا التراجع، معتبراً أنه أسهم في إضعاف العلاقات مع واشنطن، ومتسائلاً في الوقت نفسه، عمّا إذا كانت وزارة الأمن ووزارة المالية ومجلس الأمن القومي قد شاركت في مناقشة القرار.
من جهته، يُركّز معلّق الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس” عاموس هرئِل على التداعيات الإقليمية، ويرى أنّ ابتعاد واشنطن، أو ظهورها بمظهر المتراجع عن دعم “إسرائيل”، قد يُضعف مكانة “إسرائيل” وصورتها لدى دول المنطقة، ويقوّض الرسالة التي سعى نتنياهو إلى ترسيخها من خلال علاقته بترامب والتعاون العسكري الأميركي.
أما نائب رئيس قسم السياسات في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية نوح هاكر فيعتبر أنّ الخطر الأبرز لا يقتصر على الخسارة المالية، بل يشمل تغيّر نظرة جمهور الحزب الجمهوري إلى المساعدات لـ”إسرائيل”، مشيراً بهذا الصدد، إلى تصريحات لنائب الرئيس جيه دي فانس أنّ واشنطن لم تعد تتعامل مع الدعم باعتباره شيكاً على بياض، بل تتوقّع من “إسرائيل” مراعاة المصالح والسياسات الأميركية.
ولأن الإعلان تزامن مع إجراء انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فقد ركّز عددٌ من المعلّقين على رسالته الانتخابية. حيث اعتبر معلّق الشؤون السياسية في القناة الـ 12 يارون أبراهام أنّ “موضع القلق ليس بالضرورة تقليص المساعدات، بل اختيار ترامب الإعلان عنه يوم الانتخابات، بما يوحي بأنه يعتبر الخطوة شعبية”. ويشير مراسل الشؤون السياسية عميخاي شتاين إلى أنّ الرسالة الموجّهة إلى الناخب الأميركي قد تكون أهم من القرار نفسه، إذ يقدِّم ترامب وقف الأموال لـ”إسرائيل” بوصفه استجابة لمطلب داخلي أميركي.
تداعيات محتمَلة
يرى المعلق الاقتصادي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” سيفر بلوتسكر أنّ وقف المساعدات لن يشكّل كارثة اقتصادية، لكنه سيفرض عبئاً كبيراً على الحكومة الإسرائيلية، وقد يضيف نحو 15 مليار شيكل (نحو 5 مليار دولار) إلى عجز ميزانية عام 2027، ما يستدعي فرض ضرائب أو تقليص الإنفاق المدني على الرفاه والصحة والتعليم والبنية التحتية. كما قد يؤدي دفع تكاليف المشتريات العسكرية الأميركية من خزينة الدولة إلى اختفاء الفائض الدائم في ميزان المدفوعات، وربما تحوّله إلى عجز، بما يؤثّر في سعر صرف الدولار والاقتصاد عموماً.
وفي المقابل، يرى اتجاه تحليلي في وقف المساعدات فرصةً لتعزيز الاستقلال العسكري والصناعي الإسرائيلي، من خلال توسيع الإنتاج المحلي للذخائر والتكنولوجيا العسكرية، وتقليل الاعتماد على المشتريات الأميركية، وزيادة الصادرات. إلا أنّ هذا التحوّل يتطلّب تمويلاً بديلاً، في وقت لا تزال فيه “إسرائيل” بحاجة إلى شراء منصات أساسية من الولايات المتحدة، مثل الطائرات المقاتلة والمروحيات.
وربطاً بالتداعيات المحتمَلة لخيار وقف المساعدات الأميركية، تناول الإعلام الإسرائيلي مشكلات هيكلية في تمويل “الجيش” وإدارة القوى البشرية، أبرزها نقص الكفاءات في الخدمة الدائمة وارتفاع الاعتماد على قوات الاحتياط، التي قد تصل كلفة بعض أفرادها إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف كلفة إبقائهم في الخدمة الدائمة.
بالمحصّلة، تكشف المقاربة العلنية الإسرائيلية لإعلان ترامب عن تداخل ثلاثة مسارات: تفاهمٌ غير واضح الحيثيات بين ترامب ونتنياهو بشأن مستقبل المساعدات؛ وتداعياتٌ مالية وعسكرية محتملة على “إسرائيل”؛ وتراجعٌ سياسي في مستوى الدعم الأميركي، يتجاوز الخلاف حول قيمة التمويل إلى مستقبل التحالف الاستراتيجي.

