مريم البسام
عيناثا الجنوب
ايامٌ وأيام يكتبون عن حالة انفصالٍ في الموقف بين الثنائيّ الشيعيّ، لكنّ الكَتَبة لا يقرأون في كتاب الرئيس نبيه بري الذي لا يزيح عن زيحٍ على الأرض.
تخاصمه في التعاطي مع مؤسّسات الدولة، وفي مقارباته لإداراتها وقضائها وتعييناتها، وهو له رأيٌ خاصّ في هذا الشأن. لكنّك تقف أمام صلابته في وجه إسرائيل وأميركا.
يفاوض الأميركيّين، يستقبلهم، يوقّع معهم، ينظرون إليه كمرجعيّة وحيدة قادرة على فتح الثُّغر، غير أنّه يقف عند الحدّ الفاصل الذي يعرّض لبنان للاقتتال الداخليّ ويسلب منه حقّ تقرير مصيره، ويُدخل الجيش في ألعابٍ ناريّة سياسيّة.
وعن الصحافي نقولا ناصيف في “أساس ميديا”، يقول رئيس مجلس النواب نبيه بري إنّ الأميركي أحال اتّفاق وقف النار مع إسرائيل “أسوأ” من اتّفاق 17 أيّار، وأضاف: “يا محلى 17 أيّار”.
وقال: “لا تتوقّع أن أمشي في عرضٍ كهذا ولا أن أوافق على نقل المشكلة من إسرائيل إلى الداخل. عليها أن تباشر انسحابها. بعد ذاك نتحدّث مع الحزب في مصير السلاح كشأن داخليّ بعيداً من أيّ ضغوط”.
سُئل رئيس البرلمان: هل يلمس أنّ الأميركيّين يفاوضون لبنان على أنّه خسر الحرب مع إسرائيل، وأنّ عليه وحده أن يتنازل ويدفع الثمن ولا يملك أن يشترط؟ فأجاب: “يريدون التعامل معنا كأنّنا خاسرون. نعم، دفعنا الثمن. لكن بعد الآن لن ندفع أيّ ثمن”.
وأضاف: “لن نسمح بمسّ الجيش أو التحريض عليه أو حتّى رمي وردةٍ عليه. لا أحد يلعب بنا إلّا الداخل الذي يلعب بمصير البلد برمّته. هذه هي العلّة. عوض جعل الزوايا حادّة فلنُدوّرها”.
هو كلامُ مسؤول، فلماذا لا نُدوّرها؟ فإذا اتّفقت الرئاسات الثلاث على قرارٍ واحدٍ لن تقوى علينا شرور الدنيا.
وإذا كان فريقٌ في لبنان يعتبر أنّ الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر هو قدوة الانفتاح ورسالة السماح وأيقونة الشراكة في الوطن، فلنطبّق عقيدته: “ليسوا أقوى من أميركا ولسنا أضعف من فيتنام”.
وفي ذكرى تغييبه، فلنسترجع عناصر قوّته ونهجه ورسالته التي غُيِّب لأجلها.
ماذا لو قرّرت الدولة اللبنانيّة بكلّ مؤسّساتها أن تقول للطرف الأميركي: عروضكم لا تناسبنا؟ هل سيأمر ليندسي غراهام بضربنا نوويّاً على غرار هيروشيما وناغازاكي كما هي أفكاره لغزّة ولبنان؟
يتبرّع غراهام اليوم بالحديث نيابةً عن اللبنانيّين بأنّ “الخطة ب” هي نزع السلاح بالقوّة العسكريّة، ويستبق بذلك جلسة مجلس الوزراء وتقرير الجيش اللبنانيّ.
حسناً، استدعوا المستر غراهام لترؤس الجلسة إذن، أو قولوا له كما قال الرئيس بري: اتّفاق 17 أيّار ألغيناه منذ زمن، وسنواجه طروحاتكم بالقوّة اللبنانيّة ووحدتها.
ما الذي يمنعكم؟ وهذا قائدٌ للجيش يؤدّي الخدمة بوطنيةٍ عالية، ويقدّم دماء عسكريّيه على مذبح الوطن، ويسير هيكلاً بين مجموعاتٍ “منحنية” غير متراصّة.
لدينا اليوم فرصة التلاقي على قرارٍ واحد، فلا تتركوه لشارعٍ غير محسوبٍ ومستنكَرٍ قبل وقوعه.
هو شارع “الكيّ” الذي اختبرناه وعايشنا فوضاه، ولن يكون حكماً صوتاً حكيماً، فلا أحد سيسمع أحداً.
فرصتنا الآن للإصغاء إلى صوت الوطن، كلّ الوطن، وجنوبه بوصلةٌ لا تحيد، بثنائيٍّ وثلاثيٍّ ورباعيٍّ… واحد.
لا نريد مناطقكم الصناعيّة، جلُّ حلمنا العودة إلى “حاكورة الضيعة”، إلى بساتين الجنوب لنقطف تينها وزيتونها,
إلى “مصطبة” البيت القديم المهدَّم، إلى حيث أوّل الهَوا وآخر النَّفَس.
هل تستطيعون ذلك؟ ما الذي يقف دون الهدف؟
حرّروا لبنان من مطامعكم أوّلاً، وتحرّروا من أوهام الضعف وقلّة الحيلة، لتبنوا قراراً يشكركم فيه أبناؤكم وأحفادكم في كتب التاريخ غداً.

