أيمن شحادة
في نهاية تشرين الثاني من العام 2025، أعلنت مؤسسة “كهرباء لبنان” عن انقطاع عام للتيار الكهربائي Blackout))، وذلك إثر انخفاض مفاجئ حاد بالتردد (Under Frequency) على الشبكة الكهربائية، وأشارت المؤسسة في البيان نفسه إلى أنَّ “عملية إدارة وتشغيل الشبكة ومراقبتها بالفعالية المطلوبة من دون مركز التحكم الوطني (National Control Center – NCC) الذي دُمّر بالكامل خلال انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، هي صعبة للغاية”.
يعاني لبنان من أزمة كهرباء مستدامة، تفاقمت بعد الانهيار الاقتصادي الذي بدأ في العام 2019؛ إذ عجزت الحكومات المتعاقبة عن توفيرها بشكل يمكن الاعتماد عليه.
مسار الإصلاح في قطاع الكهرباء بدأ بعد أكثر من عقدين من تعليق العمل بالقانون 462 الصادر عام 2002، حيث أقرّ مجلس الوزراء في 11 أيلول 2025 إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وذلك بهدف تأمين الاستقرار والاستدامة والانسجام في توجهات القطاع واتجاهات تطويره، لا سيما وأن عدة قوانين ما زال تنفيذها معلقاً على تعيين الهيئة الناظمة، ومنها قانون تنظيم القطاع الذي نص على إنشائها، وقانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما أن تعيين الهيئات الناظمة لطالما مثّل أحد شروط الجهات المانحة الدوليّة، التي كانت تصرّ تقليدياً على تحييد العامل السياسي عن مناقصات وتلزيمات قطاع الكهرباء.
وعليه، تتجه الأنظار اليوم الى مدى تفعيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء بشكل كامل، ليس فقط من خلال الاكتفاء بتعيين أعضائها، إنما عبر تمكينها من ممارسة صلاحياتها القانونية والتنظيمية بصورة فعلية، والعمل على تنفيذ خطة الكهرباء، لا سيما ما خص إعادة بناء والعمل بمركز التحكم الوطني، وذلك في إطار تعزيز الشفافية ووقف الهدر والحوكمة في إدارة الكهرباء.
أدوار مركز التحكم
قطاع الكهرباء في لبنان يعاني ومنذ عقود من الفساد وغياب الإدارة الرشيدة، ما كلف الدولة مليارات الدولارات دون حلول فعالة. وقد زادت معدلات الاعتماد على شبكة المولدات الخاصة العاملة بوقود الديزل، ومصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء في لبنان منذ عام 2020، إثر غياب مركز التحكم الوطني وإنهيار شبكة الكهرباء.
وفي السياق، أكد الباحث في مجال الطاقة مارك أيوب بأن “اضرار غياب مركز التحكم الوطني أساسية وتداعياته على شبكة الكهرباء كبيرة، لأنه لا يمكن لأحد معرفة عمل الشبكة او التحكم بها، خاصة وان الانتاج حاليا منخفض وهو يكون بين 600 و800 ميغاوات، وهي كمية ضئيلة، ولذلك يحصل انقطاع عام للتيار الكهربائي (Blackout)، والتحكم اليوم يحصل يدويا من معمل الزوق ودير عمار، وليس بطريقة مركزية كما كان في الطابق السابع من المؤسسة، حيث كانت كل مراكز النقاط تحت المراقبة.
وكانت وزارة الطاقة والمياه قد أعلنت في 5 آب من العام 2020، بأن “الإنفجار الهائل الذي حصل (في 4 آب) في مرفأ بيروت أدى الى دمار كلي في المبنى المركزي لمؤسسة كهرباء لبنان حيث يقع مركز التحكم الوطني الذي خرج كليا عن الخدمة”، ما تسبب بتعطل أجهز الاستشعار عن بعد التي تتيح للمؤسسة مراقبة التوزيع ومخارج الخطوط وحمولة كل خط من المركز المذكور.
ولمركز التحكم الوطني أهمية كبيرة لأنه يضبط توزيع الكهرباء بين المناطق، بحسب الخبيرة في شؤون الطاقة كريستينا ابي حيدر، وهو يلعب دورا أساسيا مع تركيب العدادات الذكية لأنه يضبط الهدر غير الفني (سرقة الكهرباء) مركزيا، ويستطيع ضبط من يستعمل الكهرباء من دون دفع فواتير الكهرباء، وذكرت بأن توزيع الكهرباء اليوم يتم بشكل يدوي ولا يوجد مراقبة، حيث لا يوجد عدالة في التوزيع بين المناطق.
هذه الأوضاع، ومنذ العام 2020، أدت إلى إستقلال وتوسع دور العاملين في المحطات وأصبح من المستحيل مراقبة مدى إلتزامهم ببرامج التوزيع الموضوعة، والتي يفترض أن تضمن عدالة التوزيع في سائر المحطات وعلى كافة الخطوط، بالإضافة الى الالتزام ببرامج التقنين في ظل محدودية الإنتاج. وقد وردت عدة شكاوى موضوعها قيام العاملين بتلك المحطات بتزويد خطوط دون أخرى بشكل غير متوازن وغير عادل.
تحديات التشغيل والغياب!
ردًا على سؤال وجه الى مؤسسة كهرباء لبنان، ذكرت المؤسسة إن عملية إدارة الشبكة الكهربائية العامة والتحكم بها لضمان توفير الكهرباء بانتظام وموثوقية هو مجال معقد ومتشعب فنيا، بحيث أنه يتطلب تنسيقا دقيقاً وآنيا ومتواصلا بين العديد من العناصر التقنية المتداخلة، وترتيبات تقنية بين إنتاج الطاقة، وخطوط النقل، ومحطات التحويل الرئيسية، وصولاً إلى مستهلكي الطاقة المتصلين على شبكات التوزيع على التوتر المتوسط، ومن ثم على التوتر المنخفض.
كما تخضع هذه العملية لرقابة فنية متشابكة أبرزها توزيع الأحمال بما يتناسب مع الحالة المنتجة وضمان توازن التردد (FREQUENCY) وثبات توترات النقل والتوزيع (VOLTAGES) ضمن التسامحات المقبولة.
من المفترض أن يشكل مركز التحكم بالشبكة الكهربائية اللبنانية المرتكز الأساسي في ادارة عملية كافة هذه العناصر والتحكم بالشبكة، وإدارتها من خلال متابعة حركة تدفق الطاقة بشكل متواصل وآني، إلا أن هذا المركز غير متوفر منذ تاريخ انفجار مرفأ بيروت بتاريخ 4/8/2020 الذي أدى إلى دمار هذا المركز بشكل كامل.
ولفتت مؤسسة كهرباء لبنان حول عمل المؤسسة في ظل غياب مركز التحكم، إلى أنه “منذ تاريخ 4/8/2020 تم تسيير عملية التحكم بالشبكة الكهربائية بطرق تقنية بدائية للغاية (بواسطة FREQUENCY METER) من محطة الجمهور الرئيسية، ودون القدرة على مراقبة أي من مكونات الشبكة الكهربائية من معامل إنتاج، خطوط نقل، محطات تحويل رئيسية إلخ…، ومع ما تواجهه هذه العملية من صعوبات وتحديات فنية، أبرزها عدم استقرار الشبكة الكهربائية نتيجة عدم توفر قدرات إنتاجية كافية على الشبكة الكهربائية، تؤدي إلى انقطاعات تقنية شاملة ومتكررة لا يمكن التحكم بها أو توقعها أو تلافيها لا سيما في ظل إدارة الشبكة دون مركز التحكم، ما يضع عملية إدارة الشبكة الكهربائية في مواجهة تحديات فنية كبيرة لتأمين ثبات الشبكة الكهربائية، وخصوصاً في ظل استمرار عدم توفر القدرات الإنتاجية المطلوبة بالحد الأدنى”.
قرض البنك الدولي فرصة حقيقة
يترقّب قطاع الكهرباء في لبنان انفراجة، خلال الفترة المقبلة عبر تمويل من البنك الدولي بعدما وقعت الحكومة اللبنانية في 24 نيسان الماضي قرضاً بقيمة 250 مليون دولار لتنفيذ مشروع “الطاقة المتجددة وتعزيز النظام الكهربائي”، ويهدف إلى تمكين خدمات كهرباء أنظف وأكثر موثوقية وكفاءة بما يؤمن جزءاً مهماً من حاجات المواطنين، لا سيما في ما خص مركز التحكم.
خاصة وأن غياب المركز يؤثر على توزيع الكهرباء بين المناطق والتحكم في التوزيع، بحسب أيوب، الذي تحدث عن نقاش حصل قبل قرض البنك الدولي في أيار الماضي حول مركز تحكم صغير، وقد أعد دفتر شروط من قبل البنك الاوروبي، وتم عرضه على العديد من الجهات المانحة من دون نتيجة، وكان من المفترض وضعه في وزارة الطاقة مبدئيا حتى تشغيل مبنى المؤسسة في كورنيش النهر، أما اليوم يتم الحديث عن إعادة وضعه في مؤسسة كهرباء لبنان، ووضع مركز تحكم رديف في منطقة اخرى بحال حصول عطل في المركز المركزي.
وخلال تسليم وتسلم وزارة الطاقة في 19 شباط 2025، أعلن الوزير السابق وليد فياض عن موافقة البنك الدولي في أيار 2025، على منح لبنان قرضاً بقيمة 250 مليون دولار لدعم نهوض قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، ومن بين المشاريع الذي تم الموافقة عليها هو “إعادة بناء مركز التحكم الوطني”.
وقد ذكرت كريستينا ابي حيدر بأن قرض البنك الدولي قدم خطة متكاملة، من تحسين شبكة النقل لا سيما من البقاع، حيث سيتم ربط حقل الطاقة الشمسية المنوي انشاؤه بقدرة 150 ميغا مع مؤسسة كهرباء لبنان، كما سيتم تركيب العدادات الذكية، واعادة تأهيل معامل كهرومائية التابعة لمصلحة الليطاني والتي بدورها لها الحق في الإنتاج وليس التوزيع، والأهم هو إعادة بناء مركز التحكم الوطني الذي يضبط الهدر الفني ويسيطر على إنتاج وتوزيع الكهرباء وهو ضرورة ملحة لإصلاح قطاع الكهرباء بشكل عام إذ لا يمكن التحكم بالإنتاج والتوزيع دونه.
بدوره، ذكر مارك أيوب بأن “قرض البنك الدولي سيكون لمدى عامين من أجل تنظيم الاصلاحات على الشبكة، وإدخال 150 ميغا من الطاقة الشمسية، إلا أنه لا يمكن إتمام المشروع وإصلاح الكهرباء من دون عمل مركز التحكم الوطني”.
خطوات عملية
ردا على سؤال حول الإجراءات العملية التي تنفذ ضمن مشروع قرض البنك الدولي لإعادة بناء مركز جديد، ذكرت مؤسسة كهرباء لبنان أنها بصدد إنشاء مركز منفصل ضمن حرمها الخاص كمركز تحكم وطني جديد، ولفتت إلى أنها تعمل ضمن إطار التعاون والتنسيق مع البنك الدولي، ووفقاً للخطط والجدول الزمني للموضوع بالتنسيق معه لتعيين Owner engineer ضمن مهلة أقصاها الأول من شهر آذار من العام 2026، والذي سيقوم تحت إشراف الفريق التقني في مؤسسة كهرباء لبنان بدرس الدراسات السابقة التي تم إعدادها ومن ثم إعداد:
- التصاميم الفنية لمركز التحكم الوطني الجديد.
- الجدول الزمني لتنفيذ هذه الأشغال.
- الكلفة التقديرية لهذا المشروع.
- دفتر الشروط لإطلاق مناقصة لتلزيم الاشغال العائدة لهذا المشروع ضمن مهلة أقصاها ستة أشهر من تاريخ تعيين Owner engineer للمشروع.
وأشارت مؤسسة كهرباء لبنان إلى أنها قامت بالتنسيق مع EBRD والاستشاري شركة EDF بإعداد دراسة لمركز تحكم وطني مؤقت Light Solution.
وعليه، فإن عملية إصلاح الشبكة الكهربائية والسيطرة عليها وضبط الفساد والهدر في الطاقة ينطلق من وجود مركز التحكم التقني الذي يشكل الأساس في عملية الحوكمة والشفافية في إدارة مرفق الكهرباء، والذي ينسق ويراقب ويضبط العمل.
“يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات”.

