شهدت أسواق الدين الحكومية موجة بيع مكثّفة امتدت من سندات الخزانة الأميركية إلى الأسواق الآسيوية، حيث سجّلت عوائد السندات اليابانية القياسية أعلى مستوياتها منذ عقود، مدفوعةً ببيانات اقتصادية قوية وارتفاع مستمر في أسعار النفط العالمية، ما دفع المستثمرين لإعادة تقييم احتمالية قيام الاحتياطي الفيدرالي بمزيد من رفع أسعار الفائدة.
وارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 0.08 نقطة مئوية ليصل إلى 3.06%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1996، في حين ارتفعت عوائد السندات لأجل 5 سنوات بمقدار 0.06 نقطة مئوية لتصل إلى 2.34%.
وجاءت هذه التحرّكات في أعقاب تعرّض سندات الخزانة الأميركية لأسوأ موجة بيع في يوم واحد منذ إعلانات دونالد ترامب المتعلقة بـ “يوم التحرير” (liberation day) في العام الماضي.
وقفز العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بمقدار 0.15 نقطة مئوية ليصل إلى 5.11% يوم الأربعاء، ثم ارتفع إلى مستوى 5.13% صباح الخميس خلال تعاملات الأسواق الآسيوية.
وفي هذا السياق، وصف رئيس الأبحاث العالمية وكبير الاستراتيجيين في بنك “ستاندرد تشارترد”، إريك روبرتسن، ما يجري بـ “الحركة الصعودية المتزامنة في العوائد التي لا مفر منها”، مؤكداً أنّ هذه التركيبة من المخاطر المالية المتفاقمة بفعل حالة عدم اليقين السياسي تُدخل الأسواق في “حلقة مفرغة من التداعيات السلبية”.
ويرتّب ارتفاع عوائد السندات زيادة في تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومات بالتزامن مع توسّعها في الإنفاق، وهو ما دفع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) للتحذير من أنّ الارتفاع الحادّ في العوائد يمثّل “مصدر قلق كبير” للمالية العامة عالمياً.
وتأتي هذه الضغوط في إثر بيانات أظهرت تسارع الإنتاج في قطاع الأعمال الأميركي بأسرع معدّل منذ 5 سنوات، رافقه معاودة خام برنت الارتفاع متجاوزاً حاجز 100 دولار ليستقرّ عند مستوى 102 دولار للبرميل تقريباً. وباتت الأسواق تُسعّر حالياً احتمالاً بنسبة 70% لقيام البنك المركزي الأميركي برفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل خلال تشرين الأول/أكتوبر، ارتفاعاً من نسبة 50% تقريباً.
من جهته، أوضح رئيس قسم الاستثمارات لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة “راسل للاستثمارات”، أندرو بيس، أنّ التغيّرات في التوقّعات المتعلّقة بمحرّكات الاقتصاد الأميركي أحدثت توتراً في الأسواق، مشيراً إلى أنّ الأسواق بدأت تتكيّف مع واقع صدمة جانب العرض المقترنة بـ “احترار مفرط” للاقتصاد.
من جهته، اعتبر كبير الاقتصاديين في بنك “إيه إن زد” (ANZ)، ريتشارد يتسينغا، أنّ الخطط الأميركية لتقييد صادرات الديزل تسهم بدورها في دفع العوائد نحو الارتفاع، لافتاً إلى أنّ واشنطن تدرس نقل التكاليف إلى اقتصادات أخرى، بينما تواجه اليابان تحدّيات خاصة بالنظر إلى عدم اتخاذ بنك اليابان خطوات حازمة لتشديد السياسة النقدية بما يكفي لإعادة التضخّم إلى المستوى المستهدف.
وقد شهد الين الياباني ارتفاعاً طفيفاً ليتمّ تداوله عند مستوى 158 ينّاً تقريباً مقابل الدولار، إلا أنه سجّل تراجعاً بنسبة تزيد عن 1% منذ قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة الأسبوع الماضي.
وفي مذكّرة تحليلية، أشار كبير الاقتصاديين في بنك سنغافورة، منصور محيي الدين، إلى أنّ سوق السندات تأثّرت بحزمة عوامل متداخلة، بينها التصريحات العدائية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في الأمم المتحدة، وتحذيرات عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي مايكل بار من احتمال الحاجة لرفع الفائدة مجدداً، مشدداً على أنّ ارتفاع عوائد السندات لأجل 10 سنوات بات مدفوعاً بفرص النمو القوية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والعجز المالي الأميركي الضخم، وليس فقط بتوقّعات التضخّم.

