كشف بحث أجرته صحيفة “فايننشل تايمز” البريطانية أن الاقتصادات الكبرى تتحدى صدمة الطاقة في “الشرق الأوسط”، حيث يساعد الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي في الحفاظ على النمو، إلا أنّ الاضطرابات في أسواق الديون السيادية ستلقي بظلالها على اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المقررة هذا الأسبوع في بانكوك.
وأفاد التقرير المستند إلى أحدث مؤشرات “بروكينغز-فايننشال تايمز” لتتبع الانتعاش الاقتصادي العالمي (النمور)، بأن النشاط الحقيقي في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند يستمر في الصمود أمام ارتفاع أسعار الوقود، وسط مؤشرات على نمو قوي في الإنتاج هذا العام.
ومع ذلك، رصد التحليل وجود “مؤشرات مقلقة” تكمن وراء مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي القوية، نظراً للضغوط التضخمية المستمرة وارتفاع الدين العام.
تحذيرات دولية وضغوط مالية
وتأتي هذه النتائج عشية الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، حيث يناقش وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية المخاوف المتزايدة بشأن ضغوط الديون والمخاطر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ومن المقرر أن يحدّث صندوق النقد الدولي يوم الثلاثاء توقعاته للنمو العالمي، والتي أشارت في تموز/يوليو إلى توسع بنسبة 3% على الأقل هذا العام والعام المقبل، مقارنة بنسبة 3.5% في عام 2025.
وفي هذا السياق، أكّد الأستاذ بجامعة كورنيل والزميل البارز في معهد “بروكينغز”، إسوار براساد، للصحيفة أن “الاقتصاد العالمي تخلص من سلسلة نكسات ويبدو مهيأ لعام من النمو القوي”.
وأشار براساد إلى أنّ التحدي الرئيسي أمام صناع السياسات يكمن في تقلص هامش المناورة المتاح لهم، نتيجة التضخم المرتفع والإسراف المالي اللذين يرفعان عوائد سندات الدين الحكومية ويكبحان الطلب الخاص.
تداعيات أسعار النفط والتفاوت بين الدول
وأوضحت الصحيفة أنّ الارتفاعات الحادة في أسعار النفط التي تجاوزت 100 دولار للبرميل في الأشهر التي أعقبت العدوان الذي قادته الولايات المتحدة على إيران في شباط/فبراير أشعلت التضخم، غير أن سحب الاحتياطيات خفف الآثار السلبية على الشركات والأسر.
وفي حين أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب ردود فعل غاضبة من أوكرانيا عقب إعلانه اتفاقاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإطلاق الديزل للعالم، أشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار البنزين يزيد الضغط السياسي على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل.
وتحدث التقرير عن تفاوت الأداء بين الدول، إذ يُعزى النمو بشكل رئيسي إلى الولايات المتحدة وقطاع تكنولوجيا المعلومات، بينما سجلت ألمانيا نمواً أقوى من المتوقع بفضل الإنفاق الحكومي المدعوم بالديون على البنية التحتية والجيش، في حين تعاني فرنسا من ركود ومخاوف حول استدامة ديونها.
وفي الاقتصادات الناشئة، تبرز الهند بتوقعات نمو بلغت 7.1%، بينما تعتمد الصين على الطلب الخارجي وسط تباطؤ الإنفاق الأسري، في وقت تبقى فيه الاقتصادات الأفقر المستوردة للنفط والغاز الأكثر عرضة لصدمات الطاقة.
أزمة الديون وسوق السندات
وحذّرت “فايننشل تايمز” من القلق المتزايد بشأن استدامة أعباء الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى (الولايات المتحدة، اليابان، المملكة المتحدة، وأجزاء من الاتحاد الأوروبي ولا سيما فرنسا).
وأدى البيع المكثف لسندات الحكومات العالمية إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض لمستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عقود، ما أجبر البنوك المركزية على التخلي عن خفض الفائدة والشروع في رفعها.
ووصلت تكاليف الاقتراض الأميركية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2002، وكذلك في فرنسا، بينما سجلت المملكة المتحدة أعلى مستوى منذ 2007، وتداولت عوائد السندات اليابانية عند أعلى مستوى في هذا القرن.
واختتم براساد بالتأكيد أنّ القيود المالية والمقيدة للسياسات لا تترك للحكومات خياراً سوى المضي قدماً في الإصلاحات الهيكلية لأسواق العمل والمنتجات والأسواق المالية لإطلاق نمو الإنتاجية كمسار أخير لتحقيق الاستدامة.

