طهران | على الرغم من استمرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لا توحي الأجواء في الأخيرة بقرب الوصول إلى اتفاق، أو حتى إلى أرضية مشتركة يمكن البناء عليها، بقدر ما تنبئ باستمرار الإدارة المؤقّتة للصراع، في انتظار مُتغيّر ما.
وإلى الآن، لا تزال إيران متمسّكة برؤيتها القائمة على أن أي تسوية جادّة أو قابلة للحياة، يجب أن تتضمّن وقفاً دائماً للحرب، مع ضمانات بعدم تكرارها مستقبلاً، ورفعاً للعقوبات، وتعويضاً عن الأضرار. ولا تنطلق هذه الرؤية من الحسابات التفاوضية الآنية، بل من مقاربة استراتيجية أعمق تشكّلت خلال العقود الماضية، عنوانها منع تشكّل التهديدات على حدود إيران الجيوسياسية والأمنية، سواء جاءت تلك التهديدات من جماعات داخلية مسلّحة أو من تحالفات إقليمية ودولية تعتبرها طهران معادية لموقعها ودورها.
ومن هنا، يمكن فهم الإصرار الإيراني على الحفاظ على ما تسمّيه الجمهورية الإسلامية «العمق الاستراتيجي»، المتمثّل بشبكة من التحالفات والعلاقات الإقليمية الممتدّة من العراق إلى لبنان وفلسطين واليمن، وصولاً إلى روسيا والصين، والهادفة إلى تشكيل حائط صدّ في وجه المشاريع الأميركية في المنطقة. وفي المقابل، تدرك إيران أن خصومها ينظرون إليها باعتبارها العقبة الأكبر أمام مشروع إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤيتَين الأميركية والإسرائيلية للشرق الأوسط الجديد؛ إذ إن الجمهورية الإسلامية، بما تمتلكه من موقع جغرافي استثنائي، وثقل في أسواق الطاقة، وقدرة على التأثير الإقليمي، تُمثِّل في الحسابات الأميركية والإسرائيلية مركز ثقل يصعب تجاوزه أو احتواؤه بسهولة. ولهذا، فإن الإيرانيين يتعاملون مع المعركة الحالية بصفتها مخاضاً للنظام الإقليمي المقبل، وهو ما يفسّر إعادة صياغتهم أولويات التفاوض بصورة مختلفة عن ما انتهجوه في السنوات الماضية، ونقلهم مركز الثقل التفاوضي من الملفّ النووي إلى عناوين أشمل وأوسع.
وتنبئ هذه النقلة برغبة طهران في تخفيف الضغط عن ملفّها النووي، عبر فصله تدريجياً عن الإطار السياسي الأشمل، وتحويله لاحقاً إلى ملفّ تقني يمكن التفاوض حوله ضمن حدود «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، من دون المساس بما تعتبره «حقاً سيادياً» في امتلاك برنامج نووي سلمي، يشمل حق تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وفي حين تدرك طهران أن أيّ تنازل في ما يتّصل بالمسألة النووية لن يكون من الممكن تسويقه داخلياً إلّا إذا ترافق مع مكاسب واضحة، في مقدّمتها رفع العقوبات المالية والاقتصادية التي أنهكت الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الماضية، فإن المعضلة الأساسية التي تواجه ذلك المسار تبقى في أزمة الثقة العميقة بين الطرفَين؛ إذ لا تخفي إيران قلقها من احتمال أن تقدِم إسرائيل على تقويض أيّ تفاهم مستقبلي تحت ذرائع «التهديد الوجودي»، وهو ما يجعلها تطالب بضمانات دولية فعلية لا تقتصر على التعهّدات السياسية أو البيانات الدبلوماسية. أمّا أكثر الملفّات حساسية في هذا الإطار، فهو مضيق هرمز الذي يمثّل إحدى أبرز أوراق القوة الإيرانية في مواجهة الحصار والعقوبات المحتملة مستقبلاً – سواء جاءت تحت عناوين نووية أو حقوقية أو أمنية -، وتحرص طهران – انطلاقاً من تلك الأهمية – على عدم تقديم أيّ تنازل مجاني في خصوصه.
على أساس من أدوات الضعط تلك، ومع الثبات على لائحة المطالب التي قدّمتها، تتحرّك الدبلوماسية الإيرانية، محاولةً رفع كلفة أيّ مواجهة محتملة، وتحسين شروط أيّ اتفاق، في حين تسعى الولايات المتحدة، التي لا تريد تجدّد الحرب الشاملة، إلى اتفاق لا يُظهِرها في صورة الخاسر الاستراتيجي. وفي ظلّ هذه الضبابية التفاوضية، تبدو المنطقة عالقة في مرحلة المراوحة بين الحرب والسلام، وهي مرحلة لا يمكن أن تستمرّ طويلاً من دون انفجار جديد أو تسوية واضحة المعالم. فاستمرار الاستنزاف الاقتصادي والعسكري يفرض كلفاً متزايدة على جميع الأطراف، حتى وإن كانت إيران تعلن باستمرار أن «كلفة المواجهة أقلّ من كلفة الاستسلام»، والولايات المتحدة تدأب على التأكيد أنها ليست في عجلة من أمرها للتوصل إلى اتفاق.

