في بلد يُطلب منه إثبات أنه دولة، يصبح بقاء قوات اليونيفيل مسألة حياة أو موت. لبنان الرسمي الذي يعجز عن ضبط حدوده، يستنجد بالمراقبين الدوليين لتوثيق الخروقات الإسرائيلية، فيما إسرائيل تسعى لإزالة أي شاهد على جريمتها.
أمام هذه الصورة، يعود ملف اليونيفيل إلى الواجهة، لا لتعزيز دورها، بل لمحاولة تقليصها وربما إنهائها. بيروت تتحرّك دبلوماسياً للإبقاء عليها معوّلة على فرنسا، بينما واشنطن تواكب رغبات تل أبيب وتطرح تعديل مهامها من المراقبة إلى القتال.
وفي خلفية هذه التحرّكات، تُشير مصادر سياسية مطّلعة إلى تقاطع أميركي إسرائيلي في الدفع نحو إنهاء دور اليونيفيل، ما لا يصب في مصلحة لبنان، خصوصاً أنها جزء من اللجنة الخماسية وتقوم بمهامها كما يجب. على الأرض، تتعرض القوات الدولية لاعتداءات أدانها لبنان الرسمي، وسط استمرار الضغط لحشد الدعم الدولي وتجديد ولايتها.
بهذا السياق، برز موقف لافت من الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب، الذي أكد أن فرنسا لطالما تصدّت لمحاولات تعديل وظيفة اليونيفيل، متمسكة بأن الأرض لبنانية وأن الجيش هو المعني بالدور القتالي، فيما تُساند القوات الدولية بالمراقبة والتوثيق.
لكن في المقابل، يرى ملاعب أن اللجنة المشرفة على تنفيذ القرار 1701 باتت مشلولة، بعيون أميركية واحدة تسمح لإسرائيل بحرية الحركة، بينما يُمنع الجنوبيون من إعادة الإعمار أو حتى تركيب مساكن مؤقتة.
ولأن التوثيق الدولي كان دائماً سلاح لبنان في المحافل، فإن تغييب اليونيفيل عن مراقبة الخروقات يعني شطب صدقية الشكاوى اللبنانية أمام مجلس الأمن، وهو ما تحاول إسرائيل تحقيقه.
ضمن هذا المشهد، شكّلت زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان محطة مفصلية، إذ التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي شكر فرنسا على دعمها وتحضيرها لمؤتمر دولي متوقّع في الخريف، مشدداً على أهمية اليونيفيل ومندداً بالاعتداءات التي تطالها.
وفي موازاة هذا الموقف، شدد مصدر سياسي مطّلع على أن انطلاقة الدولة اللبنانية مستمرة رغم زحمة الملفات، وأن التحدي الأكبر يبقى في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة دولياً، وعلى رأسها من قِبل فرنسا، التي تواكب أيضاً ملف إعادة الإعمار وانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة.
هذا الدفع الإصلاحي حضره أيضاً رئيس المجلس نبيه بري، الذي أكد التزام البرلمان بإقرار القوانين اللازمة، ودعا إلى إطلاق ورشة إعادة الإعمار، مشيداً بالدور الفرنسي في دعم لبنان ومواجهة ما يُحاك ضد اليونيفيل وضد الجنوب.
ولم يكن الدعم الفرنسي محصوراً بالتصريحات، إذ سلّمت باريس للبنان وثائق متصلة بترسيم الحدود البرية، في خطوة مهمة تعزّز الموقف اللبناني في الملفات السيادية.
وفي خطوة داعمة للمسار الإصلاحي، التقى لودريان أيضاً نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، بحضور السفير الفرنسي ووفد دبلوماسي، حيث أبدى المبعوث الفرنسي تقديره للدينامية البرلمانية الراهنة، محذّراً من ضيق الوقت، ومؤكداً استعداد باريس لحشد الدول المانحة فور إقرار الإصلاحات.
بالتوازي، لم تتأخّر الحكومة في توجيه رسائل سياسية مباشرة، إذ كشف رئيسها نواف سلام خلال مؤتمر اقتصادي عن نزع السلاح من أكثر من 500 مخزن في الجنوب، في إشارة إلى جدية الدولة في ضبط السلاح واستعادة السيادة، ما يشكل عاملاً أساسياً لبناء الثقة الدولية وتشجيع عودة الاستثمار.
وفي سياق متصل، واصل رئيس الجمهورية جولته العربية، حيث كانت محطته الأخيرة في الأردن، بلقاء الملك عبدالله الثاني، في زيارة رسمية تم خلالها التأكيد على العلاقات الاستراتيجية المشتركة، وعلى دعم القضية الفلسطينية، ورفض مشاريع التهجير، إلى جانب تثبيت الدور الأردني في دعم الجيش اللبناني.
هكذا، يخوض لبنان معركته الدبلوماسية على جبهة حماية اليونيفيل، بينما تُخاض معارك القرار في كواليس دولية لا تنتظر أحداً. ويبقى الرهان على الداخل، على إصلاح حقيقي يُقنع الخارج، وعلى دولة لا تحتاج إلى شهود دائمين لتأكيد أنها ما زالت على قيد الحياة. -بقلم زينات دهيني-

