بمناسبة أربعين الشاعر طليع حمدان، نظمت عائلة الفقيد برعاية وزارة الثقافة احتفالية تكريمية له في قصر الأونيسكو، حيث تناولت الكلمات مزايا الشاعر وتمايزه في مختلف أشكال الشعر الحديث.
عضو “اللقاء الديمقراطي” النائب أكرم شهيّب، رثى حمدان قائلاً: “نقف اليوم أمام طليع حمدان، أمام شاعر يُشبه نبعاً جبلياً صافياً، لا يملك إلّا أنّ يتدفق، ولا يمرّ شِعره إلّا من بوابة القلب. طليع حمدان جبلٌ يقول شعراً يجمع بين الرقة والحدّة، بين العاطفة الصافية والحكمة الجريئة، وبين اندفاع الموهبة وأصالة التراث”.
أضاف: “هو صوت استفاق الغصون، وحفيف الأوراق حين يمرّ بها النسيم الناعم. وهو صدى صلابة الجذور والجذوع حين تهبّ الرياح العاتية على الغابة محاولةً اقتلاع الشجر وتكسير الغضون”.
وتابع: “طليع حمدان ليس مجرد شاعر ينشد القصائد، بل هو وجدان وطنٍ وصوت شعب. في كلماته تفحّ من أريج الجبل، ومن ملح التجارب، ومن دفء البيوت المفتوحة، وفي ندائه، تلك العذوبة الهادرة التي تشعرك أنّ القصيدة تتنفس بين يديك…”.
شهيّب أضاف قائلاً: “حين نكرّم طليع حمدان، فإنّنا في الحقيقة نكرّم الزجل اللبناني، ونحتفي بعالمٍ من أعلامه، وواحدٍ من حرّاس هذا التراث الجميل الذين رفعوا لوائهم من خلال شعرهم المكتوب بنبض القلب، والمنتشر عطراً وطيباً ووطنية… في جنّة الخلد يا طليع، أيّها الصديق الوفي، سيبقى صوتك الجميل ملء آذاننا، وستبقى بعالم الشعر كمال في الوطنية، علامة فارقة لا يمحوها الموت”.
وزير الثقافة
ونقلَ وزير الثقافة غسان سلامة تحيّات رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، قائلاً: “تقديراً للموهبة الأدبية التي نقلت الروايات الشاميّة، واللقاءات القرويّة بأبهى حلّةٍ إلى أعلى المنابر في لبنان والعالم، من خلال صورٍ شعرية إبداعية عكست تاريخاً طويلاً من العادات والتقاليد اللبنانية الأصليّة. واحتراماً لهذا التاريخ الطويل قرّر الرئيس عون منحَ الراحل الشاعر طليع حمدان وسام الأرز الوطني برتبة ضابط، وأن يتم تسليمه لعائلته الكريمة”. كما نقل سلامة تعازي الرئيس عون الحارة للعائلة.
سحر طليع
أمّا كريمته سحر طليع، فتوجّهت إلى والدها الراحل طليع حمدان، قائلة: “هذه أول مرة نحضر مناسبة لك، ولا تكون أنت نجمها. وأول مرّةٍ نقف هنا، لا بين مستمعيك الذين اعتادوا انتظارك بشغف، ولا بين من كانوا يفتخرون بأنهم سمعوا صوتك حياً نابضاً بالكلمة والصدق. اليوم نقف، ونحن نفتخر بأننا أولادك”.
أضافت: “أبي الغالي، فخرنا بك لم يكبر فقط، بل بلغ القمة. ولٰكن ما أقسى أن يمتزج الفخر بالحزن، كمن يمزج العسل بالعلقم، ويجعله غذاءه اليومي. تكلّم الجميع عن شعرِك. عن فصاحتك. عن سمو كلماتك التي كانت تشبهك. أما أنا، فأتكلّم بلسان ابنتك، بقلبٍ لم يتعلّم منك الشعر فقط، بل تعلّم منك كيف يكون الإنسان إنساناً”.
وتابعت: “أبي الغالي، أشتاق إلى رؤية وجهك العالي، وإلى صوتك الذي كان يملأ الدنيا سيمفونيات حياة. فقد بنيتنا قصراً من الحب، وزرعتَ فينا الجمال، وعلّمتنا أنّ التواضع رفعة، وأنّ الأخلاق العالية أعظم قصيدة”.
طليع توجّهت إلى والدها، قائلة: “أبي، عندما نتوه في جلبة الحياة، وفي صراع الخير والشر، ننظر إلى صورتك، وإلى مسيرة عمرك، فنطمئن. كنتَ دائماً وجه الحق الجميل، وصورة الإبداع الإلٰهي على هٰذه الأرض. لم تكن مجرد شاعر، كنتَ هالةً من الحب، ونبعاً من الصدق، وطيبة لا تعرف الشروط. نشعر بك في نبضات قلوبنا، وفي مواقفنا، وفي كل كلمة حق نقولها من دون خوف”.
وأضافت: “أبي، روحك تطوف اليوم بين محبيك، تناديهم: أحباء القلب، لأن الجميع كانوا أحباء قلبك، ولأنّك علّمتنا أنّ المحبة لا تقايض، ولا تشترط، ولا تؤجل. وكما كنتَ تقول عن جمهورك الحبيب: مش عايزة أزهار السهرة، زوّارنا الأزهار يا بنتي”.
ووعدت طليع أباها “ومن على هذا المنبر، أنّنا، نحن عائلتك، سنطلق مؤسّسة طليع حمدان الفكرية، التي ستعنى بقصائدك، وحفلاتك، وبكل إرثك الشعري ليبقى حياً في الوجدان والزمن. وذلك على أمل التعاون والدعم من وزارة الثقافة”.
وشكرت كل محبي طليع حمدان، قائلةً: “باسمي وباسم عائلتي، نتوجّه بجزيل الشكر إلى كل محبي طليع حمدان الذين عبّروا عن حزنهم ومواساتهم، حضوراً، أو اتصالاً، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ونخصّ بالشكر فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على تكريم روح والدي بوسام الاستحقاق. كما نشكر معالي وزير الثقافة، الأستاذ غسان سلامة، على رعايته هٰذا الحفل. والشكر موصول إلى جميع القامات الروحية، والثقافية، والسياسية، التي احتضنت عائلتنا وأشرفت على هٰذا الحفل الكريم. وأيضاً جزيل الشكر والامتنان للجنة التنظيم المؤلفة من مدير المكتبة الوطنية في بعقلين، ومن أعضاء المجلس المذهبي الدرزي، ومن أصدقاء طليع حمدان، الذين سخروا كل جهودهم، وبذلوا أقصى طاقاتهم، لإنجاح هٰذا الحفل الوفي”.
وختمت قائلة: “رحل طليع حمدان جسداً، أمّا كلماته، وصوته، وشعره، ووهجه، فباقية معنا إلى الأبد”.
عبد الصمد
بدورها قالت وزيرة الإعلام السابقة منال عبد الصمد، “نجد أنّ ذكرى أربعين حمدان ليست لحظة حزن، بل محطة وعي ثقافي يتقدّم فيها الأثر على الغياب، والصوت على الصمت، وأضاءت على الانتماء الثقافي والإنساني لبلدة عين عنوب، بوصفها الأرض التي أنجبت طليع حمدان وشكّلت رؤيته المتوازنة بين الثبات والانفتاحً”.
وأكدت “أن طليع حمدان ظاهرةً ثقافية وطنية، لا مجرد شاعر، وصوتًا جمع اللبنانيين بدل أن يفرّقهم”.
وأضافت: “بالتأكيد أن لا كلمة ولا احتفال يكفيان، وأنّ ما بناه طليع حمدان يحتاج أجيالًا لتفيه حقّه”.
عبد الصمد توقّفت عند دور المدرسة الرسمية في عين عنوب في إحياء ذكرى أحد أبنائها، باعتبارها شريكًا في نقل الإرث الثقافي إلى الأجيال الجديدة، ونوّهت بتكامل الجهود المؤسّسية من خلال وزارة الثقافة، والمكتبة الوطنية في بعقلين، والمجلس المذهبي الدرزي كلجنة منظِّمة، في إطار ثقافي وطني جامع.
وختمت رسالتها بقول مستوحى من طليع حمدان: “زرعنا الأرزة”، باعتبار أن من يزرع بصدق لا يغادر، وأن الأثر يبقى حاضرًا بعد غياب الجسد”.
وكان الاحتفال استهل بالنشيد الوطني، ثم كلمة ترحيبية من عريف الحفل الشاعر ناجي ابو عساف. كما تخلله عرض ريبورتاج موجز عن الراحل حمدان، اضافة الى شهادات من الشعراء شوقي بزيغ، وانطوان سعادة، والشيخ نزيه صعب، فكتور ميرزا، جريس البستاني، الياس خليل، طلال حيدر، هنري زغيب وسليم عساف.
حضر الحفل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط ممثَّلًا بالنائب أكرم شهيب، الرئيس العماد ميشال عون ممثلا بالنائب سيزار ابي خليل، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى ممثلا بالشيخ فادي العطار، قائد الجيش العماد رودولف هيكل ممثلاً باللواء حسان عوده، المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير ممثلاً بالعقيد زاهر يحيى، رئيسة مجلس ادارة تلفزيون لبنان المديرة العامة الدكتورة اليسار نداف ممثلة بعضو مجلس الادارة ريما خداج حمادة، ممثلة الأمم المتحده في جامعة الدول العربية السيدة حنان مالك حمدان، وممثلون عن الوزراء والنواب والمدراء العامين وأعضاء السلك الدبلوماسي والهيئات الأمنية والعسكرية، رؤساء البلديات والمخاتير، الشعراءَ والفنانون والإعلاميون، عائلةَ الشاعر طليع حمدان وأبناء بلدته عين عنوب، شخصيات ديبلوماسية وقضائية وروحية ونقابية وحزبية وعسكرية وأمنية وسياسية وبلدية، اضافة الى حشود من محبي الزجل اللبناني من مختلف المناطق اللبنانية.

