تتجه أنظار المستثمرين إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرّرة في زامبيا في 13 آب/أغسطس، وسط ترجيحات بفوز الرئيس، هاكيندي هيشيليما، بولاية ثانية في مواجهة معارضة منقسمة يقودها، براين موندوبيل، فيما يبقى مستقبل الإصلاحات الاقتصادية والنمو القادر على توفير الوظائف محور الاهتمام الأساسي.
ووفق “رويترز”، لا تقتصر تساؤلات المستثمرين على هوية الفائز، بل تتركّز بصورة أكبر على قدرة الحكومة المقبلة على تحويل التعافي الاقتصادي الذي أعقب إعادة هيكلة الديون السيادية إلى نمو أوسع، يرفع مستويات التشغيل ويحسّن معيشة المواطنين.
برنامج جديد مع صندوق النقد
ويمثّل التوصّل إلى برنامج تمويل جديد مع صندوق “النقد الدولي” أحد أبرز الاختبارات التي تواجه الحكومة المقبلة، بعدما انتهى في كانون الثاني/يناير الماضي البرنامج السابق البالغة قيمته 1.7 مليار دولار، والذي شكّل ركناً أساسياً في عملية إعادة هيكلة ديون زامبيا.
ويراقب المستثمرون سرعة إنجاز المفاوضات الجديدة، وطبيعة الشروط التي قد يضعها الصندوق، ولا سيما ما إذا كانت ستنتقل من إدارة الأزمة وضبط الموازنة إلى دعم الاستثمار والنمو الاقتصادي. ويتوقّع أن تحافظ أيّ اتفاقية جديدة على الانضباط المالي، مع منح الحكومة مساحة أكبر لتحفيز القطاعات الإنتاجية، بعد سنوات من إجراءات التقشّف وإعادة ترتيب الالتزامات تجاه الدائنين.
النحاس في قلب الاقتصاد
ويشكّل قطاع النحاس العمود الفقري للاقتصاد الزامبي، إذ يوفّر نحو 70% من عائدات الصادرات، ويمثّل مصدراً رئيساً للإيرادات الحكومية والاستثمارات وفرص العمل.
وتسعى لوساكا إلى رفع إنتاج النحاس على المدى الطويل إلى ثلاثة أمثال مستواه الحالي، البالغ نحو مليون طن سنوياً، مستفيدةً من عودة شركة “فيدنتا” إلى الاستثمار، واستمرار توسّعات “باريك غولد” و”فيرست كوانتوم مينيرالز”. وسيتركّز اهتمام المستثمرين على قدرة الحكومة على تحويل التعهّدات الاستثمارية إلى زيادات فعلية في الإنتاج، في ظل حاجة القطاع إلى مشاريع استكشاف جديدة وتطوير المناجم والبنية التحتية.
وأكدت زامبيا أنها لا تخطّط لتغيير معدلات الضرائب المفروضة على شركات التعدين، إلا أنّ تطبيق مشروع قانون المحتوى المحلي يثير تساؤلات لدى المستثمرين، إذ يلزم الشركات برفع نسبة مشترياتها المحلية تدريجياً من 20% إلى نحو 40% خلال ثلاثة أو أربعة أعوام.
ويحذّر مستثمرون من أنّ المورّدين المحليين قد لا يمتلكون التمويل والخبرات التقنية اللازمة لتلبية معايير شركات التعدين، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد أو غموض في تطبيق القواعد الجديدة.
إصلاحات لتعزيز النمو
ويمثّل التعدين أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي لزامبيا، لكنّ البلاد لم تشهد دخول سوى منجمين كبيرين جديدين إلى مرحلة الإنتاج خلال العقد الماضي، ما يعزّز المطالب بزيادة الإنفاق على أعمال الاستكشاف. كما يطالب المستثمرون بتحسين كفاءة تحصيل الضرائب وإصلاح سوق الحبوب، بحيث يؤدي القطاع الخاص دوراً أكبر في شراء فائض الذرة بدلاً من تحميل الحكومة كامل أعباء التخزين والشراء.
ويتوقّع أن يرتفع محصول الذرة في زامبيا بنسبة 28% خلال العام الحالي، ليصل إلى مستوى قياسي، ما سيجبر الحكومة على شراء كميات أكبر من المزارعين إذا لم تتوسّع مشاركة القطاع الخاص. ويرى بنك “ستاندرد تشارترد” أنّ الإنفاق الانتخابي وشراء الحبوب يشكّلان مصدرين رئيسيين للضغط المالي، متوقّعاً وصول عجز الموازنة في 2026 إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بهدف حكومي أصلي يبلغ 2.1%.
أزمة الكهرباء تهدّد توسّع التعدين
ويرتبط تحقيق خطط زيادة إنتاج النحاس بقدرة زامبيا على ضمان إمدادات مستقرة من الكهرباء، بعدما كشفت موجات الجفاف عن هشاشة نظام الطاقة المعتمد بدرجة كبيرة على المحطات الكهرومائية. وبالرغم من تسارع الاستثمارات في الطاقة الشمسية، يترقّب المستثمرون نتائج الإصلاحات الموجّهة إلى تعزيز إنتاج الكهرباء وتوفير احتياجات المناجم الجديدة والمشاريع الصناعية.
وكان الجفاف المرتبط بظاهرة “النينيو” خلال موسم 2023-2024 تسبّب في تراجع المحاصيل ونقص حادّ في الكهرباء، وأجبر السلطات على فرض فترات طويلة من تقنين التيار، ما أثّر سلباً في النشاط الاقتصادي.
تحذيرات انتخابية ومخاطر مناخية
وحذّر مراقبو الانتخابات من ممارسات محتملة تشمل مصادرة بطاقات الناخبين وشراء الأصوات، فيما أشار محللون إلى احتمال وقوع اضطرابات محلية، خصوصاً في إقليم حزام النحاس والمقاطعات الشمالية وبين الشباب في المدن، إذا جاءت النتائج غير متوقّعة أو تعرّضت للطعن.
وتبقى المخاطر المناخية من أبرز التحدّيات التي تواجه الحكومة المقبلة، نظراً إلى اعتماد زامبيا على الطاقة الكهرومائية والزراعة المطرية، إذ يمكن أن يؤدّي موسم أمطار ضعيف جديد إلى تراجع إنتاج الكهرباء والنمو الاقتصادي. وتضع هذه الملفات سجل هيشيليما الاقتصادي أمام اختبار مباشر، بعد نجاح حكومته في تحقيق تقدّم في إعادة هيكلة الديون، فيما ينتظر المستثمرون خطوات أكثر وضوحاً لتحويل الاستقرار المالي إلى نمو مستدام وفرص عمل.

