لم يحتج تصريح وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ليل الأحد، إلى أكثر من دقائق قليلة كي يتحول من مداخلة تلفزيونية في برنامج سياسي على “القناة 14” الإسرائيلية إلى العنوان الأكثر تداولاً في “إسرائيل”.
ففي وقتٍ كان يُفترض أن ينشغل النقاش الإسرائيلي بتطورات الحرب على إيران، وتداعيات الحرب الإقليمية، وأزمة قانون التجنيد، فرضت قضية قائد المنطقة الوسطى في “الجيش” الإسرائيلي”، اللواء آفي بلوط، نفسها على صدارة النقاش العام، بعدما بدا كأن قراراً يتعلق بأحد أرفع المناصب العسكرية اتُّخذ أو أُعلن تحت ضغط مباشر من مقدمي برنامج تلفزيوني وجمهوره.
وسائل التواصل تعكس التحول الشامل في اهتمامات الشارع الإسرائيلي
وتكشف قائمة الموضوعات الأكثر تداولاً عبر منصة “إكس” في “إسرائيل” حجم التحول الذي طرأ على جدول الاهتمام الإسرائيلي خلال ساعات قليلة. فقد تصدّر اسم آفي بلوط قائمة النقاشات، فيما حلّ يسرائيل كاتس في المرتبة الرابعة، وجاء اسم اللواء دادو بار خليفا، الذي طرحه كاتس بديلاً محتملاً، في المرتبة الخامسة، كما ظهر وسم خاص بالقضية في المرتبة السادسة.
وبذلك احتلت الأزمة وحدها أربعة مواقع من أصل ستة في قائمة الموضوعات الأكثر تداولاً، متقدمة حتى على قانون التجنيد، أحد أكثر الملفات السياسية والاجتماعية حساسية في “إسرائيل”.
ضغط تلفزيوني وتراجع على البث المباشر
بدأ المشهد حين طالب المعلق إيتمار فليشمان وزير الحرب بإقالة قائد المنطقة الوسطى. وردّ كاتس بدايةً بالرفض، قبل أن يتدخل مقدم البرنامج يانون ماغال ويواصل الضغط عليه، وسط هتافات وتصفيق الجمهور داخل الاستوديو.
وبعد هذا الضغط، ذكر كاتس اسم اللواء دادو بار خليفا بوصفه مرشحاً لتولي قيادة المنطقة الوسطى بدلاً من بلوط.
هذا التسلسل هو الذي منح الحادثة بعدها الاستثنائي، إذ لم يظهر القرار بوصفه نتيجة مداولات مهنية داخل المؤسّسة العسكرية، بل بدا، لدى قطاع واسع من الجمهور، استجابة فورية لضغط سياسي وإعلامي مارسه برنامج محسوب على اليمين الإسرائيلي.
“إذلال علني وإضرار بهيبة القيادة العسكرية”
العاصفة لم تتعلق فقط بمصير بلوط، بل بالطريقة التي جرى فيها التعامل مع منصبه. فقد رأى منتقدون أن ما حدث يمثل “إذلالاً علنياً” لقائد عسكري رفيع، وأن كاتس أعلن عملياً عزله على الهواء مباشرة، من دون الحفاظ على الحد الأدنى من القواعد المتبعة في إدارة العلاقة بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية.
واعتبر آخرون أن الإعلان أضر بهيبة “الجيش” ومعنويات ضباطه وجنوده، وحوّل قراراً يفترض أن يخضع لتقييمات مهنية وأمنية إلى فقرة استعراضية أمام جمهور حزبي.
تضارب البيانات يفتح باب التساؤلات حول “إدارة الدولة”
وزاد من حدة الجدل صدور بيان عن “الجيش” الإسرائيلي حمل مضموناً مختلفاً عن كلام كاتس، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول حقيقة القرار: هل أُقيل بلوط فعلاً؟ هل أعلن الوزير نية مستقبلية فقط؟ أم أن كاتس تجاوز صلاحياته والإجراءات المعتادة وأطلق موقفاً سياسياً لم يُنسق بعد مع قيادة “الجيش”؟
هذا التضارب جعل النقاش يتجاوز شخص بلوط إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يدير المؤسسة العسكرية وكيف تُتخذ القرارات داخلها، ولا سيما في مرحلة حرب متعددة الجبهات.
هجوم حاد من المعسكر الغاضب: “جمهورية موز” وتوجيه من البؤر الاستيطانية
في المعسكر الغاضب، طغت لغة شديدة القسوة على التعليقات. واتهم معارضون كاتس بأنه وزير ضعيف خضع لضغط “القناة 14″، وبأن الحكومة باتت تُدار من داخل استوديوهات الإعلام اليميني.
وذهب بعضهم إلى القول إن القرارات تُتخذ في البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية ثم يُعلن عنها عبر القناة، في إشارة إلى الاعتقاد بأن الهجوم على بلوط يرتبط بمواقفه تجاه المستوطنين والاعتداءات التي ينفذونها في الضفة.
كما ربط منتقدون الحادثة بأزمة أعمق في الحكم الإسرائيلي، معتبرين أن ما وقع يعكس سيطرة شخصيات إعلامية وسياسية تفتقر إلى الكفاءة على عملية صنع القرار.
وتكررت في التعليقات أوصاف من قبيل “حكومة الفاسدين” و”حكومة عديمي الكفاءة”، إلى جانب اتهامات بأن الحكومة تحول “إسرائيل” إلى “جمهورية موز”، وأن شخصيات “القناة 14” باتت تدير وزراء الحكومة بدلاً من أن تكون المؤسسة السياسية هي التي تدير الدولة.
موقف اليمين: خضوع “الجيش” للقيادة السياسية المنتخبة
في المقابل، وجد كلام كاتس تأييداً لدى أوساط يمينية ترى أن قائد المنطقة الوسطى لم ينفذ سياسة المستوى السياسي كما ينبغي، وأن من حق وزير الحرب تغيير قائد عسكري إذا اعتقد أنه لا يطبق توجيهاته.
ويستند هذا المعسكر إلى مبدأ خضوع “الجيش” للقيادة السياسية المنتخبة، ويرى أن الاعتراض على كاتس يعكس محاولة من المعارضة ووسائل الإعلام المناوئة للحكومة لحماية قيادة عسكرية لا تتفق مع سياسات اليمين في الضفة الغربية.
انتقادات للشكل الذي طُرح فيه القرار
غير أن حتى بعض المؤيدين لعزل بلوط قد يجدون صعوبة في الدفاع عن الشكل الذي طُرح فيه القرار. فالفارق كبير بين اتخاذ قرار بإقالة قائد عسكري بعد مشاورات وتقييمات داخلية، وبين الإعلان عنه تحت ضغط مذيعين وجمهور في استوديو تلفزيوني.
ولهذا فإن الاعتراض لم يقتصر على اليسار أو خصوم الحكومة، بل شمل أيضاً من رأوا أن طريقة كاتس أساءت إلى المنصب الوزاري وإلى المؤسسة العسكرية، بغض النظر عن موقفهم من أداء بلوط.
البعد الانتخابي وصراع الصلاحيات بين الحكومة و”الجيش”
وتكتسب الأزمة بعداً سياسياً إضافياً مع اقتراب الانتخابات. فـ”القناة 14″ تمثل منصة رئيسية لمعسكر اليمين وقاعدة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بينما أصبحت المؤسسة العسكرية منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر ساحة مركزية للصراع بين الحكومة ومعارضيها.
ويعكس الجدل حول بلوط الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، لكنه يعكس أيضاً صراعاً داخل اليمين نفسه حول حدود تدخل السياسيين والمعلقين والمستوطنين في قرارات “الجيش”.
أزمة عميقة وتآكل في آليات اتخاذ القرار
لقد نجح كاتس، بقصد أو من دونه، في نقل “إسرائيل” خلال ليلة واحدة من نقاش الهجوم على إيران ومستقبل الحرب إلى نقاش داخلي حول من يصنع القرار العسكري. ولم يعد السؤال متعلقاً فقط بما إذا كان آفي بلوط سيبقى قائداً للمنطقة الوسطى، بل بما إذا كانت قرارات “الجيش” تُتخذ داخل هيئة الأركان ووزارة الحرب، أم داخل استوديو تلفزيوني يهتف جمهوره لوزير حتى يغيّر موقفه.
وعليه، فإنّ العاصفة التي أثارها تصريح كاتس ليست أزمة تعيين عسكري عابرة، بل صورة مكثّفة لواقع إسرائيلي تتداخل فيه الحرب والانتخابات والإعلام والانقسام الداخلي.
وقد يتحوّل اسم بلوط سريعاً إلى تفصيل في المشهد، لكن الطريقة التي جرى فيها إعلان عزله ستبقى دليلاً جديداً على التآكل الذي يصيب آليات اتخاذ القرار، وعلى عمق الصراع بين الحكومة و”الجيش” في “إسرائيل”.

