محمد مرعي – الاخبار
مرّ أكثر من شهرين على بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أغلقت خلالها الأخيرة مضيق هرمز أمام حركة السفن والناقلات، ثم جرى بعدها استهداف عدد من المنشآت النفطية في منطقة الخليج. تسببت هذه الأحداث بارتفاع حاد في أسعار النفط، إلا أنه، وعلى الرغم من الارتفاع الكبير مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب، يرى مراقبون أن هذه الأسعار لا تزال منخفضة ولا تعكس واقع الحال في الأسواق، حيث حصل شرخ كبير بين سعرَي العقود الآجلة والنفط المادي وصل إلى ما بين 20 و30 دولاراً للبرميل.
ما الفرق بين العقود الآجلة والنفط المادي؟
يُسعَّر النفط بشكل مختلف، بحسب ما إذا كان يُشترى في السوق الفورية للتسليم السريع، أو قبل أشهر عبر عقود آجلة.
المؤشر الرئيسي للأسعار الفورية هو «برنت المؤرّخ»، وهو سلّة تضم أربعة أنواع من النفط المنتَج في بحر الشمال ونوعاً واحداً منتَجاً في الولايات المتحدة، ويعكس هذا المؤشر سعر برميل النفط المقرر شحنه خلال 10 إلى 30 يوماً المقبلة.
أما عقود برنت الآجلة، فهي مشتقات مالية تعكس سعر النفط الذي سيُحمَّل بعد أشهر من الآن. ويُعدّ المؤشر الرئيسي لها عقد برنت الآجل للشهر القريب والذي يشير حالياً إلى الشحنات المقرر تسليمها في شهر حزيران.
بعبارة أخرى، يعكس «برنت المؤرّخ» الطلب على المدى القصير، بينما تُعدّ عقود برنت الآجلة مؤشراً على توقّعات الأسعار في المستقبل. وغالباً ما يكون سعر العقود الآجلة هو السعر الأكثر تداولاً في الإعلام.
سعر وهمي؟
وصل الفارق بين السعرين منتصف الشهر الماضي إلى مستوى قياسي، حيث بلغ سعر العقود الآجلة لبرميل برنت 99 دولاراً، فيما كان يتم شراء برنت بتسليم سريع (أي من 10 إلى 30 يوماً) بـ132 دولاراً، وهو «فارق تاريخي» وفقاً لما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مدير إحدى شركات الاستثمار.
يعاني العالم اليوم من نقص حقيقي في كمية النفط المعروضة، فرضت على معظم الدول أن تغرف من مخزوناتها الاستراتيجية من أجل تعويضه. ومع بدء بعض الدول باستخدام هذه المخزونات خلال شهر آذار الفائت، فإن مضيّ كل يوم إضافي يعني استنزافاً أكبر لها. دخول شهر أيار من دون توقيع اتفاق ينهي الحالة الحرب بين إيران والولايات المتحدة واستمرار إغلاق المضيق دق ناقوص الخطر لدى المصارف الاسثمارية والشركات النفطية، حيث قالت «غولدمان ساكس»، الاثنين، إن مخزونات النفط العالمية تقترب من أدنى مستوياتها في ثماني سنوات، محذّرةً من أن وتيرة السحب السريع أصبحت مصدر قلق، في ظل استمرار الوضع الراهن. وقدّر البنك أن إجمالي مخزونات النفط العالمية يبلغ 101 يوماً من الطلب العالمي، وقد ينخفض إلى 98 يوماً بحلول نهاية أيار.
بدوره، قال رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» النفطية الأميركية، مايك ويرث، الإثنين، إنّ نقصاً فعلياً في إمدادات النفط سيبدأ بالظهور في أنحاء العالم بسبب إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره 20% من إمدادات النفط الخام العالمية.
كما حذّر ويرث من أنّ الاقتصادات ستبدأ بالانكماش، بدءاً من آسيا، مع تكيّف الطلب مع انخفاض العرض، مشيراً إلى أنّ الفوائض في الأسواق التجارية، والناقلات ضمن ما يُعرف بـ«أسطول الظلّ» التي تتجنّب العقوبات، إضافةً إلى الاحتياطيات الاستراتيجية الوطنية، يتمّ استهلاكها.
أمام الحقائق التي ذكرها هؤلاء، يبدو لافتاً تقلّب أسعار النفط «الورقي»، الذي شهد تأرجحاً عنيفاً خلال الأسبوع الفائت، حيث ارتفع إلى 126 دولاراً الخميس الفائت، قبل أن ينخفض إلى ما دون المئة دولار هذا الأسبوع، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب توقف الحملة العسكرية البحرية على إيران، ونشر موقع «أكسيوس» أخباراً ترجّح قرب توقيع اتفاق بين واشنطن وطهران. هذا التقلّب الحاد في الأسعار يُظهر كم أن سعر النفط «الورقي» عُرضة للتأثر بالتصريحات والمضاربات وغيرها من العوامل غير الحقيقية في مقابل الحقائق المادية التي تشير إلى نقص كبير في الأسواق.
وبعض هذه العوامل المؤثرة على الأسعار قد لا يكون بريئاً، حيث تجدر الإشارة إلى أن الكاتب الإسرائيلي في موقع «أكسيوس» باراك رافيد، يتعرّض منذ بضعة أيام لحملة شرسة على وسائل التواصل تتهمه بتعمّد نشر أخبار مضللة عن المفاوضات الإيرانية الأميركية بهدف التلاعب والانتفاع من أسعار السوق.
آسيا أول المتضررين من إغلاق هرمز
ذكر تقرير نشره موقع «أويل برايس» أن الاقتصادات الآسيوية بدأت تشعر بأولى الآثار الخطيرة لشلل صادرات النفط والغاز في الخليج، مع تعثّر النمو الاقتصادي واحتمال تدهوره خلال الأشهر المقبلة.
ووفقاً للموقع، فإن آسيا تستورد 85% من إجمالي وارداتها النفطية من دول الخليج، ما جعلها شديدة الهشاشة أمام أزمة الإمدادات.
في هذا السياق، نقلت وكالة «رويترز» هذا الأسبوع عن معهد «كبلر» للبيانات، أن آسيا استوردت نفطاً أقل بنسبة 30% الشهر الماضي مقارنةً بنيسان 2025، كاشفةً أنه رغم ارتفاع الواردات من الولايات المتحدة، إلا أنها لا تكفي لسدّ الفجوة التي خلّفها توقف الإمدادات من الشرق الأوسط.
وبحسب بيانات «كبلر»، ارتفع تصدير المنتجين الأميركيين إلى آسيا من حوالي 2.27 مليون برميل يومياً إلى 3.29 ملايين برميل يومياً في أيار. في المقابل، بلغت شحنات النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا 14.8 مليون برميل يومياً في نيسان، مقارنةً بمتوسط 18.63 مليون برميل يومياً في آذار. ما يعني أن واردات آسيا من الشرق الأوسط تراجعت بنحو 4 ملايين برميل يومياً، في حين ارتفعت الواردات من الولايات المتحدة بنحو مليون برميل يومياً فقط.
وفي ظل الصعوبة البالغة في تعويض النقص، نقلت «رويترز» عن «البنك الآسيوي للتنمية» تخفيضه التوقعات لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى نمو بنسبة 4.7%، مقارنةً بتقديرات سابقة بلغت 5.1%. كما رفع توقعاته لمعدلات التضخم في المنطقة، متوقعاً أن يبلغ متوسطها 5.2% هذا العام.
وذكر تقرير موقع «أويل برايس» أن الدول الآسيوية الأفقر كانت أول من بدأ ينفد من الخيارات، إذ لم تتمكن، بسبب محدودية مواردها المالية، من بناء احتياطيات نفطية كالتي تمتلكها الدول الأكثر ثراءً والتي لجأت إليها لمواجهة الأزمة. وقد بدأت عدة دول في جنوب شرق آسيا بتطبيق إجراءات تقشف في مجال الطاقة، مع إعلان الفلبين حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة.

