كشفت صحيفة «معاريف» العبرية عن قراءة للباحث في العلاقات الدولية بالجامعة العبرية دانيال سوبلمان، تناولت ما وُصف بأنه مراسلات ورسائل متبادلة بين قادة في حركة «حماس» وشركائهم في محور المقاومة، استناداً إلى وثائق نشرها «مركز التراث الاستخباراتي» في الجليل.وتشير القراءة إلى أن هذه الوثائق لا تقتصر على إبلاغ إسرائيل بالنوايا، بل تتضمن أيضاً تبادلاً داخلياً مفصلاً بين قادة الحركة ومع الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله، إضافة إلى اجتماعات جرت مع قيادة سياسية للحركة في بيروت وطهران.وبحسب ما أورده سوبلمان، فإن جزءاً كبيراً من هذه المراسلات يدور حول دور رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» القائد يحيى السنوار في غزة، وتبادل الرسائل بينه وبين قيادات حزب الله، إلى جانب اجتماعات شارك فيها رئيس المكتب السياسي السابق لحركة «حماس» إسماعيل هنية. وتعرض الوثائق، وفق القراءة، مشاورات متعلقة بطبيعة «خطة الهجوم الكبير» ومكوناتها.من «سيف القدس» إلى «المشروع الكبير»تُظهر النصوص، بحسب سوبلمان، أن الحركة رأت في معركة أيار 2021، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم «حامي الأسوار» فيما تسميها حماس «سيف القدس»، محطة مفصلية في مسار الصراع. ويُنقل عن السنوار قوله بعد تلك الجولة: «السيناريو جاهز بالفعل، وقد أجرينا للتو بروفة له»، في إشارة إلى أن ما جرى كان تمهيداً لمرحلة لاحقة أوسع.وتشير الوثائق إلى أن النقاشات داخل الحركة بدأت تتجه تدريجياً نحو توصيف الصراع بمفردات مثل «إزالة الكيان الملوث» واعتبار إسرائيل دولة ضعيفة، مع حديث داخلي عن «المشروع العظيم» بوصفه إطاراً للهجوم المقبل، والتدريب عليه والعمل على تنسيق الجهود مع فصائل أخرى.محاولات للتنسيق الإقليمي وتباينات في المواقفبحسب ما ورد في القراءة، سعى السنوار إلى دفع السيد نصر الله للانضمام إلى الهجوم فور اندلاعه، إلا أن الوثائق تشير إلى أن الأخير لم يُبد حماسة كبيرة، بل إنه «كبح جماح مؤيديه للفكرة» وأنه أبقى حسابات أخرى مرتبطة بإيران ضمن أولوياته.
كما تنقل الوثائق تقديرات للسنوار تفترض احتمال توسع الحرب إلى الضفة الغربية، واحتمال تحرك من الأردن، إضافة إلى انضمام فلسطينيي الداخل، في حال اندلاع مواجهة واسعة.
وفي هذا السياق، يرد ذكر اجتماع في بيروت شارك فيه القيادي في «حماس» خليل الحية إلى جانب السيد نصر الله وممثلين عن الحرس الثوري الإيراني، حيث نُقلت عنه قوله «لسنا خائفين من الحرب»، فيما أكد هنية أنه «من واجبنا تفكيك العدو والقضاء عليه. هزيمة إسرائيل ممكنة».
سيناريوهات متعددة للهجوم
تتضمن إحدى البرقيات المنسوبة إلى السنوار، بتاريخ 7 حزيران 2022، إشارات إلى أن إيران وحزب الله أبديا تردداً في الانخراط المباشر، مع تأكيده في المقابل الاستعداد لـ«أقصى سيناريو ممكن للتعاون معهما»، وتكشف الرسائل أن السنوار لم يكن يعلم حتى اللحظة الأخيرة ما إذا كان السيد نصر الله سيأمر رجاله بالانضمام فعلاً، وفقاً لما نقلته «معاريف».
وتعرض الوثائق ثلاثة سيناريوهات رئيسية صاغها السنوار: الأول، الذي يفضله، هجوم متعدد الجبهات يؤدي إلى انهيار إسرائيل، والثاني هجوم تقوده «حماس» مع دور داعم لحزب الله، والثالث تنفيذ الهجوم دون انضمام الحزب بل سيسمح لأجهزة «حماس» في لبنان بالقتال من داخل أراضيه.
كما تُظهر وثيقة منسوبة للسنوار، صادرتها القوات الإسرائيلية، أن توظيف عناصر التصوير والتوثيق من قبل مقاتلي «حماس» صباح الهجوم لم يكن عفوياً، بل جاء ضمن تخطيط مسبق. ووفقاً للوثيقة المؤرخة في 22 آب 2022، شدّد السنوار على أهمية صناعة مشاهد صادمة منذ اللحظات الأولى، بهدف «إثارة موجة من النشوة والجنون والحماس» في أوساط الفلسطينيين، ولا سيما في الضفة الغربية، وداخل إسرائيل والقدس، وصولاً إلى الرأي العام الإسرائيلي.
ويُقرأ هذا التوجيه في سياق ما ظهر لاحقاً من بث مباشر ومقاطع مصوّرة لعناصر من «حماس» خلال الساعات الأولى للهجوم، بهدف «تحفيزهم على الانتفاضة والتمرد، وفي الوقت نفسه بث الرعب والخوف بين صفوف العدو».
كما تُظهر مراسلة أخرى مؤرخة في 19 حزيران 2022 أن السنوار ربط توقيت العملية بإحدى المناسبات الدينية اليهودية، معتبراً أن تلك الفترات تشهد تصاعداً في «التوغلات داخل المسجد الأقصى» و«الصلوات التلمودية»، ما يجعلها سياقاً مناسباً لتنفيذ العملية.
وتشير الرسائل إلى أن السنوار اعتبر أن الجناح العسكري في «حماس» وصل إلى درجة «جاهزية عالية» لعملية كبرى، قادرة على تغيير موازين المنطقة، مع تأكيد الاستعداد للتنفيذ الفوري عند توفر الظروف.
تنسيق مع السيد نصر الله ورسائل إلى طهران
وتنقل الوثائق عن برقية عاجلة من هنية إلى السنوار في تموز 2022، أن السيد نصر الله أبدى تأييداً للسيناريو متعدد الجبهات، مع حديث عن أن «الظروف والحقائق تجعل هذا السيناريو واقعياً، أي نهاية وجود إسرائيل»، إضافة إلى التوافق على إبلاغ القائد الأعلى في إيران السيد علي خامنئي بذلك.
كما تشير الوثائق إلى اجتماع داخلي في الحركة خلص إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية قد تسهم، عبر سياساتها تجاه المسجد الأقصى، في تعزيز مسار التصعيد، وأن التوتر الداخلي الإسرائيلي قد يُستثمر في إطار خطة أوسع، ليختتم النقاش بالقول: «علينا تجنب الصراعات الصغيرة لنتمكن من تحقيق المشروع الكبير. ستساعدنا أسس هذه الحكومة، وهكذا سنخوض حرب التحرير».
ويختتم سوبلمان تحليله بالإشارة إلى أن «وصفنا لحماس بأنها منظمة إرهابية رسّخها في أذهاننا كمنظمة حرب عصابات فقط، ولذلك كان من الصعب علينا تخيّل قيامها بعملية واسعة النطاق»، الأمر الذي لم يُقرأ كـ«خطر حقيقي» ضمن تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وقال: «لقد درّبنا أنفسنا على اعتبار حماس مجموعة من العصابات، رغم أنها كانت قوة عسكرية تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، جيشاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى».
ولفتت «معاريف» إلى أن الوثائق التي استندت إليها هذه المعطيات لم تقع في يد الجيش الإسرائيلي إلا بعد الهجوم، عقب التوغل البري في قطاع غزة. ولا يتوافر ما يثبت ما إذا كانت المؤسسة الأمنية قد رصدت هذه المواد في حينه أو تمكنت من اعتراضها مسبقاً، معتبرة أنه إذا لم تكن هذه الاتصالات معروفة، فإن ذلك يشير إلى ثغرة استخباراتية، أما إذا كانت معلومة ولم يُستخلص منها الاستنتاج المناسب، فإن الأمر بالغ الخطورة.

